ardanlendeelitkufaruessvtr

"أنتي" رغما عن شاربك

بقلم هيثم الزبيدي آب/أغسطس 07, 2019 115

"أنتي" رغما عن شاربك
هيثم الزبيدي
عقل الكردي وهو ينطق العربية ليس عاجزا عن تعلم الفرق بين التذكير والتأنيث، بل هو عقل مدرب على عدم التمييز بينهما.
ليس خلطا بين التذكير والتأنيث بل هو حياد جندري بين المسميات
قبل سنوات، وقفت الجارة السوداء تشرح لي كيف جاءت عاملة الصيانة للمبنى وصعدت السلم لطبقات مرتفعة وحلت إشكالية انسداد مجرى مياه الأمطار بأوراق الشجر التي كانت تهدد السطح بالفيضان. جارتنا الطيبة من غانا تحب التفاصيل. ظلت تقول “صعدت” و”أنزلت” و”أصلحت” وأنا أستمع. ثم سألتها: غريب أن ترسل شركة الصيانة عاملة وليس عاملا لمهمة من هذا النوع الخطر. ردت: نعم، هو رجل. اكتشفت أنها تستخدم التأنيث وكأنه تذكير وفهمت الحوار بطريقته المفترضة. قلت في نفسي: هل وصل الأكراد إلى غانا؟
لماذا الأكراد؟ لأن العراقيين اعتادوا على أن “يكسر” الأكراد توصيف التذكير والتأنيث حين يتحدثون العربية. يتحدث الكردي إليك بصيغة التأنيث ويقصد التذكير أو العكس. تضحك في سرّك وتتعوّد على الأمر بمرور الوقت. تعتبره لحنا على العربية من غير الناطقين بها. وبالانتقال إلى العيش في كركوك في سبعينات القرن الماضي، اكتشفت أن بعض التركمان يلحنون بالتذكير والتأنيث، رغم أني أعتبر أن أهم من درّسني العربية هما مدرسان كردي وتركماني. كانت لافتةً دقةُ لغتهما العربية في الصف الدراسي، ثم لحنهما خارجه.
لم يفسر لنا الأكراد أو التركمان لماذا يلحنون ويكسرون جنس الكلمة بين تأنيث وتذكير. تركونا نسخر من الكردي الذي لا يريد أن يتعلم العربية بطلاقة، لأكتشف لاحقا أن المسألة أعمق من هذا بكثير. اللغة الكردية (ومثلها التركمانية/التركية) لا تميز بالجنس. كثير من الكلام بالكردية يساوي المذكر والمؤنث في الضمائر المنفصلة والإشارة والنداء، كما شرح لي زميل كردي أثق بلغته العربية أكثر من ثقتي بلغتي. عقل الكردي وهو ينطق العربية ليس عاجزا عن تعلم الفرق بين التذكير والتأنيث، بل هو عقل مدرب على عدم التمييز بينهما. هكذا يفكر بالأصل، واللسان ينقل هذه الرسالة الدماغية إلينا لتبدو مكسورة. هذا ليس خلطا بين التذكير والتأنيث، بل هو حياد جندري بين المسميات.
سألت صديقا من غانا، وهو ليس متخصصا، عن سبب عدم التمييز، فقال “لا أدري. ولكن في مناطق القبائل يميزون بشدة، لكن اللغات واللهجات متمايزة إلى درجة تجعل التفاهم عند الانتقال إلى المدن صعبا، فيتحول لسانك تقليديا إلى توحيد جنس الكلمة وما تعود تميّز بين كلمة مذكرة وكلمة مؤنثة”. إذًا هو حل عملي لتسهيل التفاهم، وأيضا للتواصل مع المستعمر الأبيض الذي وجدوه فجأة بينهم.
الكمين الأكبر كان ينتظرني في شمال أفريقيا. يحدثني التونسي أو المغربي ويقول “أنتِ”؛ ينطقها “أنتي”. أنظر في وجهي. الشارب موجود. كيف تقول لي “أنتي”؟ التأنيث مهيمن في كلام التونسيين والمغاربة، وأعتقد أن الإشارة إلى التأنيث حين الكلام في هذا الإقليم هي إشارة حياد. لست متأكدا إن كان حيادا قدم إلى العربية في شمال أفريقيا من حياد في اللغة الأمازيغية. سأسأل وأخبركم يوما ما.
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(1 تصويت)