ardanlendeelitkufaruessvtr

الترجمة كتمرين للمتعة والاكتشاف

بقلم حسونة المصباحي آب/أغسطس 13, 2019 64

الترجمة كتمرين للمتعة والاكتشاف
حسونة المصباحي
منذ بداية مسيرتي الأدبية، أدركت أن الترجمة توفر لنا متعة اكتشاف ثقافة الآخر، وتتيح لنا المقاربة بين اللغات، وجعلها تتلاقح ووتعانق.
الترجمة تمرين للمتعة الحقيقية (لوحة: إيمان شقاق)
في البداية أشير إلى أني تعرفت بفضل الترجمة على آداب العالم القديمة والحديثة، واكتشفت شعراء وروائيين وفلاسفة تعلمت منهم الكثير، وأضاؤوا لي طريق المعرفة. لذا سأظل مدينا لهم طوال حياتي. وحتى هذه الساعة لا أزال أعيد قراءة رواية “الصخب والعنف” للأميركي ويليام فوكنر التي قام بنقلها إلى اللغة العربية الراحل جبرا إبراهيم جبرا.
وأظن أن هذه الرواية جعلت الكثيرين من كتاب القصة والرواية في العالم العربي يكتشفون تقنيات مذهلة في فنّ السّرد، لم تكن مألوفة لديهم من قبل. كما لا أزال أعيد قراءة رواية “طريق التبغ” لأرسكين كالدويل التي قام بنقلها إلى لغة الضاد منير بعلبكي؛ هذه الرواية، وأيضا رواية “عناقيد الغضب” لجون شتاينباك، لفتتا نظري إلى عالم الريف الذي كنت أعتقد حتى ذلك الحين أنه عالم فارغ وممل بحيث تكون الكتابة عنه غير مجدية، وغير مفيدة.
وتحت تأثير الروايتين المذكورتين كتبت مجموعتي القصصية الأولى “حكاية جنون ابنة عمي هنية”، التي تدور أحداث القصص التي تضمنتها في ريف القيروان بالوسط التونسي. ولا يمكن أن أنسى المتعة التي قرأت بها “صورة دوريان غراي” لأوسكار وايلد، التي نقلها إلى العربية الدكتور لويس عوض، و”دون كيخوتي” لسارفانتس التي أثرى بها الدكتور عبدالرحمن بدوي المكتبة العربية، و”موبي ديك” لملفيل التي أتحف بها الدكتور حسان عباس القراء العرب.
كتب أثرت المكتبة العربيةكتب أثرت المكتبة العربية
وبفضل السوري سامي الدروبي، قرأت أعمال دستويفسكي، وتولستوي، ورائعة إيفو أندريتش “على جسر نهر درينا” التي يروي فيها فصولا من تاريخ بلاد البلقان خلال فترة الهيمنة العثمانية. ووفرت لي دار “التقدم” بموسكو فرصة اكتشاف مبدعين روس كبار أمثال تشيكوف، وغوغول، وغوركي.
وبواسطة اللغة الفرنسية، قرأت الأدب الياباني متمثلا بالخصوص في كل من تانيزاكي، وكواباتا، وميشيما. وبنفس هذه اللغة قرأت أعمال النرويجي كنوت هامسون، والسويدي أوغست ستاندبارغ، والبولوني فيتولد غمبروفيتش، والألباني إسماعيل كاداربيه، والإيطالي إيطالو سفيفو صاحب رائعة “وعي زينو”، والذي كان صديقا لجيمس جويس عندما كان هذا الأخير مقيما في مدينة ترياست على الحدود مع النمسا.
ومنذ بداية مسيرتي الأدبية، أدركت أن الترجمة توفر لنا متعة اكتشاف ثقافة الآخر، وتتيح لنا المقاربة بين اللغات، وجعلها تتلاقح ووتعانق، وتنافس كل وحدة منها الأخرى لتسمية الأشياء والعالم. ثم إن الترجمة عمليّة إبداعية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وبناء على هذا، أنجز شارل بودلير ترجمة رائعة لقصص الأميركي إدغار ألن بو. وفعل الفرنسي الآخر إيف بونفوا الشيء ذاته مع روائع شكسبير. وكان باول تسيلان، الروماني الأصل، الألماني اللغة، يجد متعة في نقل أعمال كبار الشعراء الفرنسيين إلى لغة غوته. وتمكن الشاعر والكاتب الفرنسي فاليري لاربو من إنجاز ترجمة بديعة لرواية جويس الشهيرة “أوليسيس”.
وقد بدأت علاقتي بالترجمة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي. فقد نقلت إلى العربية مجموعة من قصائد الهايكو اليابانية. وفي نفس الفترة، ترجمت قصصا لكتاب عالميين أمثال يشار كمال، وغابرييل غارسيا ماركيز، ومارغريت يورسنار، وإسماعيل كاداريه.
كما ترجمت نصوصا فكرية وفلسفية لميشال فوكو، ورولان بارت، وكلود ليفي ستراوس، وأكتافيو باث، وجيل دولوز، وخورخي لويس بورخيس وآخرين. وقد صدرت تلك النصوص في بغداد أواخر الثمانينات من القرن الماضي بعنوان “متاهات”. إلّا أن الترجمة التي وفرت لي المتعة الحقيقية هي تلك التي قمت بها حين نقلت إلى اللغة العربية كتاب إلياس كانيتي “أصوات مراكش”. وقد صدر الكتاب عن دار “توبقال ” المغربية ليفتح نافذة على أعمال واحد من أعظم المبدعين في القرن العشرين.
وفي الثمانينات من القرن الماضي، اهتممت بصاموئيل بيكت، وقرأت جلّ أعماله الروائية والمسرحية. وقد استوقفني كثيرا كتابه “نصوص إلى اللاشيء” الذي كتبه بالفرنسية، مظهرا فيه قدرة على اللعب بالكلمات كما لو أنه يرغب في أن يثبت للفرنسيين أنه قد يفلح في منافستهم في الإتيان بالعجيب والغريب في لغتهم الأم.
وعازما على أن أتعرف على المدى الذي يمكن أن تبلغه اللغة العربية عندما أنقل إليها نصوص بيكت العسيرة والغامضة، شرعت في ترجمتها بحذر شديد. وحالما انتهيت من ذلك، انتابني إحساس بأن الترجمة لم تكن موفقة. لذا تركتها ولم أعد إليها إلّا بعد قرابة السبعة أعوام. وكان عليّ أن أعيد الترجمة من البداية إلى النهاية لكي أحصل على ما بدا لي مرضيا. لذا لم تتردد الدار العربية للكتاب في نشر الكتاب.
وكان جيمس جويس الذي عاش الشطر الأكبر من حياته متنقلا بين المنافي، واحدا من بين الكتاب الذين تعلمت منهم الكثير. وقد قرأت بسهولة مجموعته القصصية “أناس من دبلن”، وروايته “صورة الفنان في شبابه”. وأما “أوليسيس” فقد عسرت عليّ قراءتها.
لذا تخليت عن قراءتها في أكثر من مرة. لكن بعد أن قرأت سيرة جويس التي أعدها ريتشارد إلمان، والصادرة في جزأين عن دار “غاليمار” الفرنسية في ترجمة بديعة، بدأ عالم جويس ينكشف لي، وينزاح عنه الضباب الكثيف الذي كان يغطيه.
ومستعينا بتلك السيرة، وأيضا بالتفسير الذي أنجزه فلاديمير نابوكوف، تمكنت من قراءة “أوليسيس”، ومن فهم عوالمها العجائبية، ومن فكّ رموزها الموغلة في الغموض والتعقيد. وازداد عالم جويس وضوحا بالنسبة لي بعد أن قرأت كتابا يحمل عنوان “حوارات مع جيمس جويس”، وفيه يروي الفنان الأيرلندي أثر باور الذي كان يقيم في باريس في العشرينات من القرن الماضي، تفاصيل لقاءاته المتعددة بصاحب “أوليسيس”.
وقد عكست تلك اللقاءات آراء جويس في الأدب، وفي الشعر، وفي السياسة، وفي العديد من القضايا الأخرى. لذا سارعت بترجمة هذا الكتاب ليكون عونا للقراء العرب الساعين إلى فهم واكتشاف عالم جيمس جويس. كما أنني نقلت إلى العربية مؤخرا نصه الشهير “جياكومو جويس” الذي كتبه عام 1912، وفيه يتغزل بفتاة إيطالية من مدينة ترياست حيث كان يقيم.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)