ardanlendeelitkufaruessvtr

مأزق العلاقات الأردنية الإسرائيلية

مأزق العلاقات الأردنية الإسرائيلية
عدلي صادق
وجد الأردن نفسه، في موقف يضطره إلى سحب بعض المزايا التفصيلية التي منحها لإسرائيل، فكرة التسوية نفسها مع الأردن، وهي إعطاء حق الاستثمار الزراعي في أراضي الباقورة والغمر، بعقدي تأجير قابليْن للتجديد.
الانتهاكات الإسرائيلية مساس خطير بمكانة الأردن الاعتبارية وبمسؤوليته الإشرافية على المسجد الأقصى
شهدت العلاقات الأردنية الإسرائيلية، في الشهور الأخيرة، تراجعاً مطرداً، ظلت معظم التعبيرات الرسمية عنه، خافتة ولا تعكس حجم المرارة التي شعرت بها عمّان، من جراء الممارسات الإسرائيلية في القدس عموماً، وفي مستطيل المسجد الأقصى على وجه الخصوص.
وفي الأيام الأخيرة، عبرت بعض ردود الأفعال الأردنية عن اقتراب العلاقة من مأزق غير مسبوق، من خلال جُمل قصيرة عبر برنامج التواصل الاجتماعي تويتر. فقد شعرت الحكومة الأردنية، أن سياق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في استرضاء أقصى اليمين الديني المتطرف، من شأنه تقويض ما اتفق عليه في الملحق الأول لمعاهدة وادي عربة المبرمة بين البلدين في أكتوبر عام 1994 حول منح الأردن حقوق الوصاية والإشراف على المسجد الأقصى. وقد ظل الجانب الرسمي الأردني حريصاً على تثبيت حقه في هذه الوصاية الهاشمية، التي أكد الجانب الفلسطيني على ضرورتها.
وكان الأردن قد صبر طويلاً على انتهاكات إسرائيل في القدس وفي باحات الأقصى على وجه الخصوص، ورأى في هذه الانتهاكات مساساً خطيراً بمكانته الاعتبارية وبمسؤوليته الإشرافية، كدولة وافقت على تصفير مشكلاتها مع إسرائيل، وانزعج العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، التي من شأنها إغضاب الرأي العام في بلاده، فاضطر إلى الإعلان عن نيته عدم تجديد عقد تأجير إسرائيل أراضي منطقة الغور الشمالي، في الباقورة والغمر، عند ملتقى نهري الأردن واليرموك.
    اقترب البلَدان من المأزق، من جراء تغول المتطرفين وتدنيسهم المسجد الأقصى يوميا، مع انتهاكات جيش الدولة نفسه، لباحاته والتعدي على المُصلين
وكانت في ذلك الإعلان، إشارتان: الأولى تتمثل في صيغة احتجاج يستوجب موقفاً عملياً، في الرد على الانتهاكات التي تقوض الوصاية على الأقصى، والثانية التأكيد على أن ممثلي إسرائيل الأسبقين، شركاء الأردن في معاهدة وادي عربة الضامنة للسلام المستدام؛ يتلقون في كل يوم، هم والحكومة الأردنية، طعنات نجلاء من أولئك الذين عارضوا اتفاقيات التسوية في حينها ثم أصبحوا في سدة الحكم.
وعلى الرغم من ثبات الحكومة الأردنية على موقفها المتمسك بالمعاهدة، كانوا شركاء للأردن في السعي إلى تسوية شاملة، إلا أن اليمين الديني اليهودي العنصري المتطرف، لم يدع مجالاً للعمل على خلق مناخات التعاون والتهدئة والعمل على توسيع عملية التسوية. فقد أصبح يقوّض كل محاولة للتوصل إلى اتفاقيات مع الجانب الفلسطيني، وهذا بحد ذاته عنصر توتير للشارع الأردني، ثم تحول لتقويض الوصاية الهاشمية على الأقصى، وإطاحة دور الأردن، كطرف ثالث، يحافظ على العتبات المقدسة في المدينة، لكي لا يمتزج العنصر الديني بعناصر وأسباب الصراع الأخرى في فلسطين.
لذا وجد الأردن نفسه، في موقف يضطره إلى سحب بعض المزايا التفصيلية التي منحها لإسرائيل، فكرة التسوية نفسها مع الأردن، وهي إعطاء حق الاستثمار الزراعي في أراضي الباقورة والغمر، بعقدي تأجير قابليْن للتجديد، لأراض تبلغ مساحتها 850 دونما.
وفي الحقيقة، كان تأجير هذه المساحة، من خلفية أنها أصلاً أراض مسجلة بقرار بريطاني، باسم اليهودي بنحاس روتنبرغ الذي منحته بريطانيا في عام 1921 حق امتياز استغلال مياه نهري اليرموك والأردن لتوليد الطاقة الكهربائية، تحت عنوان التطوير وإنارة المدن الفلسطينية ولواء عجلون.
ومعلوم أن المنطق الصهيوني، يخلط بين مفهوم العقار ومفهوم السيادة، وبالتالي كانت إسرائيل في حروبها تطالب بضم أي أراضٍ اشتراها أو استحوذ عليها يهود في زمن التواطؤ البريطاني مع الحركة الصهيونية، باعتبارها جديرة بالضم لكي تصبح تحت السيادة الإسرائيلية. وفي ترسيم الحدود، زمن الانتداب البريطاني، أصبحت الدونمات المسجلة حتى الآن باسم روتنبرغ، ضمن حدود الدولة الأردنية، وقد أثار موضوعها المفاوضون الإسرائيليون الذين توصلوا إلى الاتفاق مع الأردن على التسوية عام 1994، وجاءت الترضية في صيغة التأجير، على أن تبقى الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 تحت السيادة الأردنية، ويستثمرها الإسرائيليون زراعياً.
ومقابل هذه الترضية تحصل الحكومة الأردنية على دور الوصاية الإشرافية على الأقصى، مع ضخ كمية من المياه العذبة إلى عمّان. ومع التداعيات الحاصلة منذ أن تسلم اليمين المتطرف الحكم في إسرائيل، وتواصل انتهاكات المتطرفين للمسجد الأقصى، أصبح الأمر مختلفاً وانتفى عنصر المقايضة بين أرض على الخارطة ودور إشرافي في مكان ذي أهمية دينية كبيرة لدى المسلمين.
    الأردن صبر طويلاً على انتهاكات إسرائيل في القدس وفي باحات الأقصى على وجه الخصوص، ورأى في هذه الانتهاكات مساساً خطيراً بمكانته الاعتبارية وبمسؤوليته الإشرافية
في أكتوبر العام الماضي، وتحديداً في يوم الجمعة التاسع عشر منه، سجل الشارع الأردني رد فعل قوي على فظاعات الاحتلال، وكان ذلك في شكل تظاهرات طالبت بعدم تجديد عقديْ تأجير دونمات الباقورة والغمر، عندما تنتهي المدة القانونية للعقدين. بل إن الأردنيين أودعوا إنذارات عدلية ضد حكومتهم بهذا الخصوص، لدى المحاكم الأردنية. وعلى الفور استجاب العاهل الأردني وقرر عدم التجديد وإلغاء مُلحقي الباقورة والغمر، وسلَّمت وزارة الخارجية الأردنية مذكرتين لإسرائيل بفحوى القرار الأردني الجديد.
ولم يتأخر رد إسرائيل التي هددت بقطع المياه عن العاصمة الأردنية، بدءاً بتقليص أيام الضخ من أربعة إلى اثنين في حال عدم التجديد. والمؤسف أن المحتلين صرحوا بوقاحة، أن الأردن يحتاج إسرائيل أكثر مما تحتاج إسرائيل الأردن، وهذه هي مغبة فقدان التضامن العربي والتنكر للواجبات الأهم، وعدم تلبية حاجات الأردن، في جغرافيته الحساسة فقيرة الموارد، إلى مساعدات للنهوض بمشروعات استراتيجية، يكون من بينها مشروع مائي يحقق له الكفاية من المياه.
في السجال الأخير، عبر منصات التواصل، اقترب البلَدان من المأزق، من جراء تغول المتطرفين وتدنيسهم المسجد الأقصى يوميا، مع انتهاكات جيش الدولة نفسه، لباحاته والتعدي على المُصلين، ومن ثم تصريح حكومة الاحتلال بأنها ستسمح لليهود بالصلاة داخل المسجد الأقصى، وليس داخل مستطيل الحرم المقدسي وحسب!
تجدر الإشارة، إلى أن ما ساعد إسرائيل، على تجاهل حق وصاية الأردن وإشرافه على الأقصى، بل وساعدها على التجرؤ والإعلان عن كون الفقرة المتعلقة بالوصاية في الملحق الأول من اتفاقية وادي عربة ليست ملزمة وليست ذات سند قانوني؛ هو نجاح تل أبيب في فتح شوارع اتصالات مع أطراف عربية رسمية، أطلقت العنان لمغردين عرب للتهجم على الشعب الفلسطيني عبر وسائل التواصل، والنيل من مكانة الحرم القدسي، وتقديم قراءات مشوهة للتاريخ نفسه، وامتداح الصهيونية!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)