ardanlendeelitkufaruessvtr

"تحت موس الحلاق" بعد نصف قرن

"تحت موس الحلاق" بعد نصف قرن
حميد سعيد
لقد كان الحديث الذي وجهه حمودي الحارثي "عبوسي" إلى أستاذه سليم البصري "حجي راضي" وهو يقف على قبره، موجعا حقا ومؤثرا، ويعبر بصدق عن معاناة العراق وشعبه في ظل أوضاعه الراهنة.
الرثاء لا يكفي من اجل سليم البصري
  اطلعت على ما قاله الفنان العراقي حمودي الحارثي، وهو يقف، وقفة وفاء، على قبر الفنان الراحل سليم البصري، مخاطبا إياه بصفة أستاذه، وهذا الوصف يذكر ملايين الناس بذلك الثنائي الجميل، حجي راضي، الحلاق الشعبي الذي شخصه سليم البصري، وعبوسي، صبي الحلاق الفضولي المشاكس، الذي شخصه حمودي الحارثي، في العمل الدرامي التلفزيوني العراقي، الأشهر والأكثر شعبية ومشاهدة، والأطول استقطابا للمشاهدين، إذ ما زال وبعد ما يزيد على نصف قرن، يُتابع ويحظى بإعجاب أجيال جديدة من المشاهدين في العراق وبعض الدول العربية.
لقد كانت حلقات “تحت موس الحلاق”، وهي من تأليف سليم البصري وإخراج عمونوئيل رسام، الذي اشتهر بـ”ع. ن. ر” وضمت نخبة من خيرة الممثلين، وبخاصة ممن عرفوا بالأداء الكوميدي، أذكر منهم بالإضافة إلى الثنائي سليم البصري وحمودي الحارثي، خليل الرفاعي وسهام السبتي وراسم الجميلي وعبدالجبار عباس وسمير القاضي وغيرهم، تستأثر باهتمام الجميع، على بساطة الإنتاج وبدائية التقنيات الفنية، لما تطرحه من قضايا تهم الجمهور وكيفية التعبير عنها، حيث الصدق والقدرة على التواصل مع المشاهد، سواء في النص المكتوب أم في الأداء التمثيلي، وما زالت وسائل التواصل تكرر الكثير من القضايا والموضوعات والمفارقات التي وردت في حلقات، تحت موس الحلاق، مثل مدرسة محو الأمية وقراءة الرسالة التي بعث بها طالب مبتعث إلى الهند لوالدته، من قبل حجي راضي الحلاق.
لقد كان الحديث الذي وجهه حمودي الحارثي “عبوسي” إلى أستاذه سليم البصري “حجي راضي” وهو يقف على قبره، موجعا حقا ومؤثرا، ويعبر بصدق عن معاناة العراق وشعبه في ظل أوضاعه الراهنة، ولأن الحارثي فنان أكاديمي ومثقف متابع، فقد استطاع أن يمد خطوطا بين أطروحات تحت موس الحلاق والمآلات التي انتهت إليها تلك الأطروحات في زمن الخراب، فهو يخاطب البصري بقوله: هل تعلم أن العراق بات صفرا على الشمال.
وهو بهذا القول يشير إلى تراجع العراق على جميع الأصعدة، دورا ومشروعا وطموحا وحضورا وإنجازا، في العلم والفن والإبداع، وما عاد يحسب له أي حساب، لا في الحاضرين ولا في الغائبين، وإن العراق كله بات تحت موس الحلاق، غير أن حلاق اليوم ما عاد معنيا بقص اللحى والشوارب، بل بقص الأعناق والأرزاق، وإن”نحباني للو” وهي قراءة حجي راضي لجملة وردت في رسالة الطالب المبتعث إلى والدته – تحياتي للوالدة – لم تعد حكرا على الأميين، بل أصبحت قراءة  المسؤولين في العراق الآن، ويواصل خطابه قائلا: إن الخلط بين الشراب المسهل والشراب المسكر، الذي عانيت منه يوما، صار يعاني منه كثيرون، وقد يصفه الأطباء والصيادلة، في إشارة منه إلى تراجع الطب وهجرة الأطباء واختلال عمل الصيادلة وانتشار الدواء الفاسد.
أما الوضع التعليمي، فهو كارثة الكوارث، إذ تجاوز عدد الأميين في – عراق الحضارات – ولأول مرة في التاريخ، سبعة ملايين مواطن عراقي، لا يقرأون ولا يكتبون، نعم، كارثة الكوارث فبعد أن حقق العراق قبل ما يقرب من أربعة عقود من الزمن، ما لم يحققه أي بلد من بلدان العالم الثالث، حيث قضى على الأمية تماما وباعتراف اليونسكو، يتراجع الآن إلى هذا الوضع الكارثي.
لقد أعادني الفنان الصديق حمودي الحارثي إلى الأيام التي عرفت فيها سليم البصري، زميلا وصديقا، وبخاصة خلال عملي في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون، والبصري من مواليد محلة البتاويين ببغداد في العام 1926، وبدأت ميوله الفنية وظهرت موهبته في التمثيل مبكرا، إذ التحق بإحدى الفرق المسرحية الشعبية المتواضعة بمدينة بغداد، غير أنه لم يستمر طويلا في الفرقة المذكورة وانقطع عن التمثيل، ويشير بعض الذين أرخوا لسيرته الفنية، إلى أن ما لفت إليه الأنظار، مسرحية كوميدية، كتبها وأدى دور البطولة فيها وكانت بعنوان “سليم البصري في ساحة التدريب” وكان تاريخ عرضها قبيل مرحلة الدراسة الجامعية، حيث انتسب إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية – بجامعة بغداد في العام 1950 وتخرج منها في العام 1954، وخلال هذه المرحلة تبلورت شخصية حجي راضي التي سترافقه طويلا، وتشكل الأساس الراسخ لشخصيته الفنية.
إن معظم الذين أحبوا سليم البصري، إنما كان ذلك من خلال حبهم لشخصية حجي راضي، ولا يعلمون أنها كانت مجده الفني ومشكلته في آن، إذ حاولت خلال عملي في الإذاعة والتلفزيون وربطتنا علاقة صداقة وتفاهم، أن أقنعه بالعودة إلى إنتاج حلقات جديدة من تحت موس الحلاق، فكان لا يستجيب لمحاولاتي، بل كان لا يشجع على إعادة عرض أي من الحلقات السابقة أو أي جزء منها.
ثم أسرني يوما، بأن ظهوره بشخصية حجي راضي، سبب إحراجا لزوجته، وهي مدرسة اللغة العربية في إحدى إعداديات بغداد للبنات، حيث تتحول عند زميلاتها وطالباتها إلى زوجة حجي راضي، لا إلى زوجة سليم البصري، وتنكد عليه حياته.
وذهبنا يوما إلى حمام شعبي في حي الأعظمية، فاستقبل وأنا معه، بأغنية مقدمة المسلسل، فالتفت إلي وقال: ألست محقا في التوقف عن تشخيص هذا الدور، فأجبته، لكن هذا الاستقبال دليل حبهم لك، فأجاب: أي حب مع هذا الإحراج.
أذكر أن إبراهيم عبدالجليل، نبهني إلى سهرة تلفزيونية، لم أكن قد شاهدتها حين عرضها، لم أعد أتذكر اسمها، وكانت من إخراجه وبطولة سليم البصري، وقد شاهدناها معا، البصري وعبدالجليل وأنا، يومها علق عبدالجليل على أداء البصري بالقول: إنه في هذا العمل بمستوى كبار الممثلين في العالم.
غير أنه وهو يضحك الملايين، كان يعاني من الحزن والرغبة في العزلة ومن اكتئاب واضح، فهل كانت الضغوط التي يعانيها بسبب ظروفه العائلية التي أشرنا إلى بعض منها، سبب حزنه واكتئابه، أم أنه مثل كثيرين من الممثلين الكوميديين الذين يعانون من الحزن والاكتئاب، إذ قال المسرحي جين ماسادا “إن ثمانين بالمئة من الممثلين الكوميديين يعانون من الاكتئاب”.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)