ardanlendeelitkufaruessvtr

أحلام الوحدة بين السودان وجنوب السودان

بقلم محمد أبوالفضل أيلول/سبتمبر 02, 2019 194

أحلام الوحدة بين السودان وجنوب السودان
محمد أبوالفضل
سوف يظل الحالمون بعودة جنوب السودان إلى حضن الشمال أو العكس من دون تقدم ملموس، لأن الأجواء العامة تجاوزت هذه القضية، وتفرض مراعاة الواقع وتعقيداته بدقة.
هناك طريق واحد يمكن أن يسلكه الشمال والجنوب معا.. طريق الاستقرار والتقدم
لم ينته السودان من ترتيب أوراقه بعد الإقصاء الدرامي للرئيس عمر حسن البشير حتى داهمه البعض بحديث عن استعادة الوحدة المفقودة مع دولة جنوب السودان، وكأن الانفصال القسري الذي حصلت عليه الثانية يمكن التخلص منه بجرة قلم، أو أن المشكلات التي أفضت إليه انتهت برحيل البشير الذي لم يتخذ الخطوات الواجبة للحفاظ على السودان موحدا.
ربما يكون التفكير في إعادة اللحمة السياسية جاء تلميحا على لسان قيادات تنتمي للحركة الشعبية-قطاع الشمال، لتبرئة الذمة من الاتهامات التي لاحقتهم بأنهم وفروا الذرائع لانفصال جنوب السودان، وربما لإثبات انتمائهم لسودان واحد وعدم النكوص بالتعهدات مستقبلا واللحاق بقطار الجنوب، وتأكيد أنهم جزء من الجسم السوداني الوطني بعد تصاعد حدة الخلافات بين الجبهة الثورية، وتضم ثلاث حركات مسلحة، مع قوى الحرية والتغيير. وربما يحلو لهؤلاء التفكير بصوت عال لحل أزمة تناقض الولاءات بين الشمال والجنوب.
يفتقر الحديث للمنطق السياسي المحكم في هذا التوقيت. فلم يفق السودان من تداعيات عزل البشير وتشكيل دواليب السلطة الانتقالية حتى الآن، كي يدخل نفسه في متاهة جديدة تؤدي إلى خلط الأوراق، وتسمح للمتربصين به في الداخل والخارج بالتشويش على مجلس السيادة والحكومة الجديدين وشغلهما بقضايا يحتاج النظر فيها لدولة قوية وسلطة متمرسة وأقدام راسخة في الأرض وعقل وقلب الشعب.
يملك حديث الوحدة شجونا متشعبة، ويستحوذ على وجدان شريحة كبيرة من المواطنين، لأنه يؤكد تمسكهم بدولتهم الكبيرة، ويوحي أن الانفصال وقع وسط ظروف معينة كانت مرفوضة من القوى الحية، وحصل برغبة حزب المؤتمر الوطني للحفاظ على وجوده في الحكم، فخسر السودان جنوبه وخسر الحزب ورئيسه الحكم، بل يتعرض الكثير من رموز النظام السابق لملاحقات قضائية متعددة.
مضت التلميحات العاطفية والتطلعات الخيالية لاستعادة الوحدة عن قصد أو دونه، ولم تشغل بال النخبة السودانية أو تتوقف عندها أحزاب مؤثرة، فهي منخرطة في بناء توازنات جديدة تشمل جميع القوى السياسية وتهضم داخلها كل العناصر المسلحة، باستثناء من ارتكبوا جرائم وفسادا خلال عهد البشير، ومهمومة بالتأسيس لدولة مدنية تستمد عافيتها الحقيقية من إعلاء قيمة المواطنة، كعنصر قادر على جعل السودان واحة سياسية زاخرة بالديمقراطية والحياة العصرية. من هذا المنطلق يمكن تحاشي الأخطاء التي أفضت إلى سلخ الجنوب عن جسد الشمال.
مر الانفصال بمجموعة من العقبات السياسية والتحديات المسلحة مهدت الطريق إليه، وحلت أزمة الازدواجية التي خيمت على شخصيات نادت بسودان جديد خال من التفرقة العنصرية والتمييز بين المركز والأطراف في الثروة والسلطة، وفرضت على قوى إقليمية ودولية تأييده بحجة وقف الحرب الأهلية ودعم خيار تقرير المصير كحق من حقوق الإنسان.
بصرف النظر عن المرامي المعلنة والخفية التي قادت إلى استقلال الجنوب، فإن توجهات الخرطوم منذ ثلاثة عقود فتحت الأبواب الموصدة للانفصال، وساهمت في تفكيك أواصر الوحدة، وحملت مضامين بعدم استبعاد تفكيك السودان وتشرذمه، إذا كان الثمن الحفاظ على بقعة صغيرة من الأرض يقيم عليها البشير ورفاقه حكمهم الإسلامي.
أخفقت الدولة الوليدة في علاج جراحها، وغرقت هياكلها ومؤسساتها في دوامة من الحرب الأهلية أشد وطأة، ودخلت قواها السياسية وجماعاتها المسلحة في معارك ضارية بعد مضي حوالي أربعة أعوام فقط على الاستقلال، ولا تزال تكابد لأجل تحقيق السلام، ما أفقدها البريق الذي صاحبها كدولة واعدة في شرق أفريقيا.
أفلحت السلطة الانتقالية الحالية بالسودان في منح أولوية للسلام الشامل في البلاد، وأكدت الرغبة العارمة بعدم التفريط في أي من الأقاليم التي تقف شاهدة على الاقتتال بين القوات الحكومية وفصائل مسلحة في الشرق والغرب والجنوب. وبعثت برسائل لمن يهمهم الأمر أن التفريط السابق كان وبالا على السودان شمالا وجنوبا، لأنه اقتطع جزءا غاليا من أرضه، وخسرت بموجبه البلاد نحو 75 بالمئة من مواردها النفطية، كانت من بين الأسباب التي أفضت إلى احتدام الأزمة الاقتصادية.
تبدو هذه الزاوية كفيلة لدى البعض للعزف على الأوتار العاطفية للوحدة، باعتبارها المنقذ الذي يعيد للسودان ما فقده من ثروة مادية، لكنها تتجاهل الأمراض الرئيسية التي لم تبرح الشمال، ويعاني من ويلاتها الجنوب الذي لا يريد بالطبع الهروب من أزماته إلى الأمام.
إذا كانت القوى السياسية الفاعلة فشلت في وأد الحرب وتنفيذ بنود السلام، فهل تستطيع الوصول لهذا الهدف وثمة قوى متنافرة ومتناحرة ولم يستقر قوامها المركزي على حال؟
يتجاوز اللامنطق في استعارة بعض المسلمات الدافعة للوحدة الحدود المتعارف عليها سياسيا، لأنه يغلق باب التفكير في الواقع الملبد بالغيوم في الشمال والجنوب، ويجر الناس إلى الاجتهاد في معان “طوباوية” من الصعوبة استحضارها على الأقل في هذه اللحظات، استنادا إلى محاولات يبذلها رئيس جنوب السودان، سيلفا كير ميارديت، بشأن التفاهم بين قوى إعلان الحرية والتغيير من جهة، والجبهة الثورية من جهة ثانية، ومرجح أن تنتقل إلى عقد جلسات حوار بين الأخيرة والحكومة الانتقالية بعد إعلان تشكيلتها الوزارية، ليس سعيا للوحدة الجاذبة، لكن لتعميم السلام في السودان.
يقود النجاح إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الهدوء في الجنوب وضمان الاستقرار في الشمال، لأن أي توتر سوف ينعكس سلبا على المحيط الجغرافي، وفي مقدمته دولة جنوب السودان التي تريد تأكيد دورها واستقلالها بالوساطة النشطة بين القوى المختلفة، وعدم الوصول إلى سلام مستقر لا يعني أن الطريق ممهد لمروجي استعادة الوحدة بالشعارات.
هناك طريق واحد يمكن أن يسلكه الشمال والجنوب معا، إذا نجح كل منهما في تحقيق قدر وافر من الاستقرار والتقدم خلال الفترة المقبلة، وهو الوحدة على أساس كونفيدرالي وليس اندماجيا، فقد سبق الوقت للكلام عن النوع الثاني. على كل طرف النجاح السياسي والاقتصادي والأمني والحفاظ على الدولة متماسكة وبعيدة عن التهديدات الإستراتيجية. ربما تخرج من رحم كليهما قيادات تؤمن بأهمية الوحدة الطوعية، ما يصب في مصلحة الطرفين.
ينسجم هذا السيناريو مع تطلعات إيجابية تسود في المنطقة، تعلي من دور العلاقات المنبثقة من رحم التعاون والتنسيق لنشر السلام وشيوع التنمية بين دولها. ليس صدفة أن جميع المقاربات لحل الأزمات في الدولتين خرجت من دول مجاورة، يهمها الاستقرار كسبيل لتعزيز أواصر العلاقات وبناء وحدة تكاملية تجني من ورائها دول المنطقة مكاسب عديدة.
لذلك سوف يظل الحالمون بعودة الجنوب إلى حضن الشمال أو العكس من دون تقدم ملموس، لأن الأجواء العامة تجاوزت هذه القضية، وتفرض مراعاة الواقع وتعقيداته بدقة وفهم نواميس الوحدة المعاصرة بمروحة ثقافية واسعة، كي يتسنى التقدم خطوة للأمام على مستوى التأصيل لعلاقة متينة بين السودان كمركز، ودولة جنوب السودان كهامش.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)