ardanlendeelitkufaruessvtr

في بيت الأسرة.. ليست كل النهايات جميلة

بقلم سماح بن عبادة أيلول/سبتمبر 13, 2019 21

في بيت الأسرة.. ليست كل النهايات جميلة
سماح بن عبادة
تستحضر مشاهد مرت عليك في الوثائقيات والدراما وتلفزيون الواقع، قصصا تتمحور حول العقوق، وأخرى حول ما يتعرض إليه المسنون من سوء معاملة في أغلب دور المسنين، وليس دور رعاية المسنين فالرعاية تحضر وتغيب بشكل نسبي.
نكران الجميل
تدخل فناء “بيت الأسرة” وهو اسم لجمعية ترعى المسنين، تتلاطم داخلك موجات من الهواجس والأفكار تتعلق بالشخص المقرب الذي تنوي زيارته وأخرى تتعلق بما لديك من مخزون وصور عن دور رعاية المسنين وما يحوم حولها من أفكار سوداوية.
تلج قاعة واسعة بعد أن تلقي التحيات على فاتحي الأبواب بالمفاتيح، داخل القاعة ترى وجوها شاحبة بسبب الشيخوخة والأمراض، لكن اصفرارها وتلك العيون التي تراقبك بنظرات شاردة باهتة تشي بالكثير من النهايات الحزينة التي آل إليها هؤلاء المسنون والمسنات والتي آل إليها تماسك الأسرة التونسية وأيضا مكانة كبير العائلة.
تحضرك العديد من السيناريوهات. يكتظ ذهنك بالتساؤلات بالاستغراب حول حكاية كل منهم، وحول أسباب وجوده هنا. تستحضر مشاهد مرت عليك في الوثائقيات والدراما وتلفزيون الواقع، قصصا تتمحور حول العقوق، وأخرى حول ما يتعرض إليه المسنون من سوء معاملة في أغلب دور المسنين، وليس دور رعاية المسنين فالرعاية تحضر وتغيب بشكل نسبي.
الصورة الأولى التي طرقت ذهني صورة حضانات الأطفال الرضع، عندما رأيت فتاة جميلة تتوسط مسنتين وتطعمهما وهما ترمقانها بنظرة الطفل الجائع… عجوز تحدث نفسها، بلغة فرنسية طليقة، تتحدث دون توقف يتبادر إلى ذهنك فورا أنها كانت شخصا متميزا وربما كان لديها منصب اجتماعي مرموق أيضا.
واحدة أخرى ترتدي روبا قصيرا (ميني)، لكن الأكيد أن ذلك ليس مواكبة للموضة بل لأنها تكره الملابس ولا تتحملها وسرعان ما تخلعها وترميها. شيوخ صامتون واجمون منهم المقعد ومنهم المعوق. وفي صلب هذه العواصف التي دارت في ذهنك ووجدانك في لحظات تتذكر ذلك الشيخ الذي أتيت لزيارته.
رائحة الفضلات البشرية بأنواعها تعم المكان رغم ما يبدو عليه للوهلة الأولى من نظافة، تدخل غرفة صغيرة تذكرك بغرف المستشفيات أو المبيتات الجامعية يتقاسمها رجلان مقعدان. تلمحك عيون تعرفها وتسمع ذلك الصوت الرحب والسعيد بحضورك.
مرحبا سي فلان. كيف الحال؟ يجيبك وكله انكسار وسعادة معا “الحمد لله لا بأس. كيف حالك أنت يا ابنتي. هذان ولداك كم هما جميلان. كم اشتقت لرؤيتك..”. تجلس أمامه تنتظر أن يعده رفيقك في الزيارة للخروج. بالنسبة له الخروج من “بيت الأسرة” عودة إلى الحياة، مغادرة المكان وكأنه خروج سجين من الحبس.
تكافح لكي لا تنهار باكيا، فقد وضعت الكثير من الماكياج والمستحضرات لكي لا تغلبك الدموع. ذلك السي فلان كان يوما صاحب المؤسسة التي تعمل فيها. كنت تعمل عنده. ذلك الرجل شديد الأناقة والاهتمام بمظهره، صاحب العطر الأصلي، والسيارة الفخمة، صاحب المؤسسات الخاصة التي تشغل كثيرين مثلك، صاحب النكتة، والأفكار التي لا تنضب.
عرفته رجلا ستينيا كان مديري ومعلمي للعمل وكان أيضا شخصا مميزا بالنسبة لي هو صديق أيضا، يعاملني بطيبة الأب ويحاورني بلسان الصديق من جيلي، كان بالنسبة لي رجلا استثنائيا في تفكيره في نظرته للحياة التي تجمع بين خبرة السنوات والحكمة وبين حب الحياة وروح الشباب الدائم، ضحوكا محبا للفكاهة والضحك، لا تخلو نصائحه من روح الدعابة ورغم كبر سنه كان يقول متفاخرا أنا متحرر في تفكيري وفي نظرتي للنساء فلا مشكلة عندي أن تدخن ابنتي أو زوجتي أو أن ترتدي ما تشاء وأن تعيش تجارب عاطفية ومغامرات متنوعة. بالنسبة لفتاة من الريف ومن بيئة محافظة يمثل ذلك الرجل استثناء في معارفها وعلاقاتها.
كان مولعا بالرسم وبالمشاريع وبالساعات وآخر صيحات النظارات، لم يعترف يوما بسنه. وكان أبا حنونا يحب أبناءه إلى درجة العشق، يحب النساء أيضا، ويقول مفتخرا عرفت نساء بقدر شعر رأسي… كان عصبيا لكنه سرعان ما يتخلص من الغضب ويعود إلى طبيعته وقد يعتذر حتى لمن يعمل عنده لإدراكه أنه بالغ في غضبه وقسوته.
تلت سنوات العمل سنوات من الانقطاع بعد إفلاسه التدريجي، كنت أسأل عنه باستمرار بعد أن علمت أن جلطة دماغية جعلته مقعدا. وبعد ثلاث سنوات وجدت دار المسنين التي سمعت أنه أصبح مقيما فيها. وجدته شيخا نحيفا حزينا يحافظ على ابتسامته الحزينة المنكسرة. وجدته وحيدا بعد أن ذهب ماله ويبدو أن رجاله أيضا ذهبوا. أبناؤه وبناته وإخوته الذين كان الحضن الذي يحتويهم ويلجأون إليه ليملؤوا جيوبهم تركوه.
كسرته الوحدة والحبس والصدمة بنهايته غير السعيدة. صحيح أنه لاقى العقوق ونكران الجميل من أسرته الذين رموه في بيت الأسرة البديل لكنه وجد “أصدقاء قدماء”.
سائقه سابقا كان أول من بحث عنه ووجده وأخرجه ليمضي مع أسرته عيد الأضحى.
 شكره لي قائلا “وجدت الأخ الذي أتكئ عليه اليوم، عندما أخرجني من هنا أخرجني من حالة الاكتئاب التي كنت أعيشها.
أتعرفين أنه بعد أكثر من عام هنا هو أول شخص يخرجني من الجمعية، أتعرفين وكأنني كنت ميتا في قبر وعيناي مفتوحتان في الظلمة إلى أن أتى هو وأخرجني من القبر”.
ومثلما ليست كل النهايات سعيدة فعلا فليست كل بيوت الأسر بيوت أسرة حقيقية.
صحافية من تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)