ardanlendeelitkufaruessvtr

محاولة لاستذكار داخل حسن

بقلم حميد سعيد أيلول/سبتمبر 14, 2019 31

محاولة لاستذكار داخل حسن
حميد سعيد
مهمة الفنان الأصيل هي الحفاظ على تراث غناء وموسيقى بلده وحمايتها، وتقديمها إلى العالم من دون تشويه مقومات التعابير الوطنية.
داخل حسن لم يزل حتى اليوم سيد الغناء الريفي العراقي ولم يظهر أي مطرب ريفي آخر مثله
كنت أقلب دفتر الملاحظات الذي يرافقني دائما، فوجدتني أمام سطور، تابعت فيها احتفال استذكار وتكريم للفنان العربي أبوبكر سالم، أقيم في السعودية، وهو احتفال بجميع مفرداته يليق بقامة الرجل وحضوره وقيمته الفنية، وتذكرت أن أول من لفت نظري إليه، هو الشاعر الراحل عبدالوهاب البياتي، إذ كنا في بداية سبعينات القرن الماضي قد شاركنا معا في إحدى دورات معرض الكتاب في القاهرة، بل أهداني يومها شريط “كاسيت” من ألحانه وغنائه، استمعت إليه ومن ثم صرت أواصل الاستماع إلى جديده.
وكنت قد كتبت على هامش السطور التي سجلت فيها بعض انطباعاتي عن الحفل الاستذكاري التكريمي لأبوبكر سالم، اسم داخل حسن، فهل كنت أحاول المقارنة بينهما، أو كنت أفصح عن رغبة راودتني إلى أن يكرم الفنان داخل حسن، وهو واسطة عقد ثلاثي الغناء الريفي في العراق، مع صاحبيه حضيري أبوعزيز وناصر حكيم، إذ كانوا الأكثر حضورا وتأثيرا، ومازالوا في تاريخ الطرب العراقي، مع أن غيرهم كان لهم حضورهم أيضا في الغناء الريفي مثل خضير حسن ناصرية ومسعود العمارتلي وعبدالأمير طويرجاوي وجواد وادي وعبدالواحد جمعة، ويمكن أن أذكر معهم تجوزا، حسن داود وهو بغدادي تأثر بالغناء الريفي، ثم جاء جيل آخر من أهم رموزه عبد محمد وعبدالجبار الدراجي ونسيم عودة وصاحب شراد وفرج وهاب وغيرهم، وأعتذر عن ذكر كثيرين منهم لأنني أعتمد في ما أكتبه على الذاكرة وهي لا تسعف دائما من يعتمد عليها. ومعظم مطربي هذا الجيل لم يكن بعيدا عن تأثير الجيل الأول.
إن الذي ميَّز داخل حسن بين كل من ذكرت من هؤلاء المؤدين الموهوبين هو صوته أولا، ومعرفته بكل أطوار الغناء الريفي في العراق ثانيا، وتجربته الحياتية الثرية ثالثا، وقد حدثني الملحن محمد نوشي قائلا: إن عازفي العود من العاملين في فرقة الإذاعة والتلفزيون كانوا “يدوزنون” أعوادهم إما على آلة البيانو وإما على صوت داخل حسن.
    كان داخل حسن حين يلحن أغنية أو حين يؤديها يجعل من مسبحته التي لم تفارقه يوما، آلة إيقاع، فيحركها بين يديه وتتحول نقرات حباتها إلى أصوات إيقاعية
 وهذا يعني كونه يمتلك صوتا كاملا بجميع الطبقات مع أننا أحببنا جمال صوته في قراراته، مستفيدا من بحة فريدة لم تتوفر لسواه من المطربين. وقد وصفه الزجال العراقي المعروف محمد المحاويلي بالقول: داخل حسن أيقونة الغناء العراقي، الذي لا يشبهه أي غناء آخر، لا في ألوانه ولا في أطواره، وصوت داخل حسن، صوت مكتنز تميزه “بحة” فريدة، وهو امتداد للبيئة النقية التي لم تتلوث بأنغام هجينة، والتي حافظت على أصالتها، بالفطرة والعفوية، إن صوت داخل حسن جاء من الجغرافيا، فدخل التاريخ.
 أما قارئ المقام العراقي حسين إسماعيل الأعظمي، فيقول: يتمتع المطرب الريفي العراقي الشهير داخل حسن بخامة صوتية قل نظيرها في جمالها وقوتها وتعبيراتها البيئية، في تميزها وتفردها، ولم يزل حتى اليوم سيد الغناء الريفي العراقي ولم يظهر أي مطرب ريفي آخر، أعطى أو استطاع أن يتجاوز حقائق التعابير الريفية الجميلة والمعبرة عن الحياة في الريف العراقي، فخامة صوته من فصيلة “التنور” ورغم أن معظم مغنينا تتمتع أصواتهم بهذه الفصيلة، إلا أن نسبة التعبير عن البيئة الريفية العراقية في صوت مطربنا الكبير داخل حسن لا تضاهى، ولا يقارن في حفظه للأطوار الريفية وغنائها بصورة متقنة وجميلة، بل في غاية الجمال.
وكان يلحن معظم أغانيه، وما لم يلحنه منها فقد أخذه من كبار مطربي بيئته الريفية في بلدة الشطرة وقراها، كما كان يعيد بعض أغاني صديقه حضيري أبوعزيز، غير أنه يحلق بها بعيدا، ويمنحها من الجمال ما يوفر لها حضورا استثنائيا وقد حدثني الملحن عباس جميل بأنه لحن له “يا طبيب صواب دلالي” ورغم نجاحها وسعة انتشارها، لم يكرر هذه التجربة، بل لعلها الأغنية الوحيدة التي غناها داخل حسن لملحن معروف.
    يتمتع المطرب الريفي العراقي الشهير داخل حسن بخامة صوتية قل نظيرها في جمالها وقوتها وتعبيراتها البيئية، في تميزها وتفردها
واستمعت في حديث إذاعي لمحمد عبدالوهاب حيث سأله المذيع عن لحن “جبل التوباد” فقال: لقد استمعت إليه من مطرب شعبي عراقي في مدينة حلب، وهذه شجاعة وموضوعية منه، فمن يستمع إلى أغنية داخل حسن “يمه يا يمه” يجد لحنها مكررا في أغنية محمد عبدالوهاب “جبل التوباد”.
إن مهمة الفنان الأصيل هي الحفاظ على تراث غناء وموسيقى بلده وحمايتها، وتقديمها إلى العالم من دون تشويه مقومات التعابير الوطنية.
وكان داخل حسن حين يلحن أغنية أو حين يؤديها يجعل من مسبحته التي لم تفارقه يوما، آلة إيقاع، فيحركها بين يديه وتتحول نقرات حباتها إلى أصوات إيقاعية، وعلى ذكر مسبحته “السبحة” فحين أقيم المعرض الدائم لصور المطربين والملحنين بمبادرة من الملحن الدكتور علي عبدالله، وضم بعض الآلات الموسيقية لمطربين وملحنين، بادرت عائلته فأهدت مسبحته إلى المعرض، لتكون من ضمن محتوياته، غير أن لصوصا مثقفين! سرقوا محتويات المعرض في الأيام الأولى لاحتلال بغداد، وكانت المسبحة من بين المسروقات.
وكان بعد أن تقاعد وعاد إلى مدينة الناصرية، يأتي كل شهر إلى بغداد لتسلم راتبه التقاعدي، وكان يحرص على زيارتي، فأستقبله بمكتبي في الإذاعة والتلفزيون، وكنت قد خصصت له بالإضافة إلى راتبه التقاعدي مبلغا من المخصصات بقدر راتبي الشهري تماما، وهذا أمر يعرفه العاملون يومذاك في دائرة حسابات المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)