ardanlendeelitkufaruessvtr

أين مهنية الصحافي الداعية لمرشح انتخابي على الشبكات الاجتماعية

بقلم محمد شلبي أيلول/سبتمبر 16, 2019 134

أين مهنية الصحافي الداعية لمرشح انتخابي على الشبكات الاجتماعية
محمد شلبي
كيف السبيل إلى إقناع الناس بأن مؤسسة تشغل داعية على فيسبوك تكون مؤسسة قادرة على معالجة الأخبار معالجة مهنية تراعي القواعد والأعراف والأخلاقيات.
الحياد واجب في العمل الصحافي
دوّن صحافي من التلفزيون التونسي الخاص، “التاسعة”، على صفحته على فيسبوك “احذروا المغامرة… صوتوا لمن تعرفونه فهو أفضل من المجهولين والهواة” فعلق أحدهم بسؤال إنكاري قائلا “متى تدون لنا صوتوا ليوسف الشاهد مباشرة”. ويدرك المطلع على الصفحة بلا عناء أنها صفحة تسوق لأحدهم وتتهجم على آخرين من ذلك تدوينة تقول “قصر قرطاج ليس للمسنين” في إشارة إلى المرشح عبدالكريم الزبيدي.
وقد انكشف للكثير من التونسيين، خاصة أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، أن الحياد الإعلامي أمر انقضى أمره أو يكاد في التلفزيون على وجه الخصوص. لقد أصبح عدد كبير منهم قادرا، بسماع المتحدثين فيها من صحافيين خاصة، على تصنيف التلفزيونات لا حسب ميولها السياسية فقط بل حسب الأشخاص الذين تحابيهم أو تعاديهم.
وإذا كان يمكن للتلفزيونات كبح جماح صحافييها إن شاءت، وهم في الاستوديوهات، بلفت أنظارهم إلى تجاوز أبسط قواعد المهنة والأخلاقيات فإن الأمر يفلت منها، أو يبدو أنه كذلك، عندما يستخدم هؤلاء فيسبوك ليقولوا ما يشاؤون دون أدنى مساءلة رغم أن هناك في بعض المؤسسات، مثل التلفزيون والإذاعة التونسيين وإذاعتي شمس وموزاييك، مواثيق تلزم الصحافيين بالانصياع لها عند النشر على الشبكات الاجتماعية.
لقد كانت وسائل الإعلام التقليدية هي محور العلاقة الثلاثية بين الصحافيين والجمهور والسياسيين أما اليوم فقد أصبح المحور محورين وامتدت العلاقة إلى الشبكات فتحرر الجميع من جاذبية المحور التقليدي. ولم تواكب الانزياحَ عن محور الإعلام التقليدي مبادراتٌ جادة وواسعة لإعادة النظر في علاقة الصحافي الجديدة عبر الشبكات بالجمهور والسياسيين سوى مبادرات قليلة في بعض وسائل الإعلام بقيت حبرا على ورق.
صحيح أن عددا من الصحافيين التزموا الحياد على الشبكات بترك التدوين أثناء الحملة غير أن بعضهم يعلق على تدوينات أخرى للمستخدمين مبدين مواقف بالتصريح أو بالتلميح وهو سلوك أقل ضررا بالمهنة من التدوين لكنه يبقى أسلوبا من أساليب التوجيه والتأثير. ولا ينبغي لتلك الأساليب أن تستمر أو تنتشر حتى لا يُغوى من بقي على الحياد باتباع الدعاة على الشبكات.
والأمر مستعجل لأن الصحافي الداعية على الشبكات لصالح سياسي مرشح للانتخابات لا يسيء إلى نفسه فقط بل إلى المهنة عامة إذ يصعب إقناع الناس بأن ذلك الصحافي يتحدث باسمه ولا علاقة لما ينشره بالمهنة، فهو كالجزء الذي يعفن الكل، خاصة إذا كان ممن يحسبهم الناس مؤثرين يحتلون البلاتوهات في ساعات الذروة مرارا في الأسبوع.
وهو مستعجل لأن في الإساءة إلى المهنة كمفهوم إساءة للصحافيين الذين بقوا على الحياد أفرادا. وهو مسيء للمؤسسة التي يشتغل فيها الصحافي الداعية. فكيف السبيل إلى إقناع الناس بأن مؤسسة تشغل داعية على فيسبوك تكون مؤسسة قادرة على معالجة الأخبار معالجة مهنية تراعي الأعراف والقواعد والأخلاقيات؟
وللتصدي لتلك الممارسات لجأت مؤسسات إعلامية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية إلى تعديل مواثيقها ليس بإضافة فصول تتحدث عن الالتزام بالأخلاقيات عند النشر على الشبكات الاجتماعية فقط بل بإعادة صياغة كاملة يذهب معظمها إلى القول في ما معناه إن الصحافيين ملزمون بمراعاة أخلاقيات المهنة أيا كانت وسائل النشر ليدرك الجميع أن الإخلال بها على الشبكات ليس أمرا ثانويا بل هو كالإخلال بها في مؤسستهم أي أنها على الدرجة نفسها من الخطورة.
وذهبت مؤسسات أخرى إلى إقحام الالتزام بالأخلاقيات عند النشر على الشبكات في عقود التشغيل لوعيها الشديد بوقع الإخلال على المؤسسة. فعندما عدلت صحيفة نيويورك تايمز مدونتها عام 2017 ذيلتها بخمسة أسئلة ذات بعد بيداغوجي، علاوة على الصفة الإلزامية، طالبة من صحافييها الجواب عنها كلما خامرتهم فكرة النشر على الشبكات.
وملخص تلك الأسئلة هو: أولا هل سأعبر عن هذا الرأي بالطريقة نفسها في صحيفتي؟ وثانيا هل هناك سبب يدعو من يقرأ لي للاعتقاد بأن لدي آراء حزبية بشأن قضية ما؟ وثالثا هل يحق لمن يقرأ تدوينتي أن يثق في نزاهة صحيفتي في تغطية الأخبار؟ ورابعا هل يمكن أن تمنع تدوينتي زملائي من القيام بعملهم على وجه مرضي؟ والخامس هو هل يكون المطّلع على منشوراتي، بما فيها الروابط والتعاليق، مقتنعا بأمانتي الصحافية؟
واللافت للنظر في الحالة التونسية أن الصحافيين الذين لا يلتزمون بأخلاقيات العمل الصحافي عند النشر على الشبكات هم من المؤسسات الخاصة والحال أنها مطالبة بالإسهام في بناء ديمقراطية سليمة. لقد جعل المختصون في علوم الانتقال الديمقراطي ثلاث وظائف معيارية للإعلام تدل على فشله وهي استمرار الممارسات الإعلامية القديمة بعد زوال الاستبداد وغموض العلاقة بين السياسيين والصحافيين وفشل المؤسسات الإعلامية الخاصة المحدثة أثناء الانتقال.
وعند التمعن في مظاهر الفشل الثلاثة نرى أنها تلازم الإعلام التونسي وأن العلاقة بين الصحافيين والسياسيين أصبحت بارزة للعيان مما يعني أن السياسيين يتدخلون في شؤون الإعلام إذ لا شيء يفسر العلاقة الوطيدة بينهم وأن ذلك قد أدى في نهاية المطاف إلى الدعاية لهم على الشبكات. وفي السماح لصحافييها بذلك تخل للمؤسسات الخاصة عن وظيفتها المعيارية في الانتقال لأن المنطق يقتضي أنها لم تُصب بداء الاستبداد إذ أنها أحدثت بعد الثورة.
وطبيعي أن تفشل وأن توظف بعضا من صحافييها دعاة للسياسيين لأن ظروف إنشائها كانت مرتبطة برؤوس أموال ضخمة والحال أن القاصي والداني يعلمان أن الاستثمار في التلفزيونات غير مربح إلاّ نادرا في سوق إعلانية متهالكة. كان واضحا أنها مؤسسات جعلت لتكون أدوات سياسية وما من دليل أوضح من صمود قنوات تلفزيونية وإذاعية غير مرخص لها ولا إعلانات فيها.
يقتضي الوضع جرأة في إعادة هيكلة المؤسسات الخاصة وفي التشريع الصارم لمراقبة تمويلها وقد يكفي الانتباه إلى أن إنفاق بعض القنوات أكثر من أرباحها بل لا أرباح لبعضها أصلا. ويقتضي خاصة أن نعلم الآن سبب تأخر مجلس للصحافة أمين الأخلاقيات. فلم يعد الحديث عن دوره مجديا إلا بعلم سبب تأخيره.
باحث تونسي في الإعلام

قيم الموضوع
(0 أصوات)