ardanlendeelitkufaruessvtr

ماذا لو كان مارسيل بروست كاتبا جزائريا؟

بقلم أمين الزاوي أيلول/سبتمبر 16, 2019 73

ماذا لو كان مارسيل بروست كاتبا جزائريا؟
أمين الزاوي
ذاكرة المدن كتابها وفنانوها ومسرحيوها وسينمائيوها، والمدن التي لا ذاكرة لها تشبه رواقا معرّضا لمجرى الهواء.
مارسيل بروست ذاكرة مدينة
تقطع الجزائر عرضا وطولا، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، تزور مدنها الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، الساحلية والداخلية والصحراوية، لا شيء يوحي لك بأن هذه المدن عرفت ذات يوم كاتبا أو رساما أو مغنيا أو فنانا تشكيليا؛ فالمدن برأسمالها الرمزي.
تزور هذه المدن التي لها أسماء في أطلس الخرائط، هي مدن تنتخب ولها نوادي كرة القدم، ولكن كأن كتابنا لم يعيشوا فيها، لم يولدوا فيها، لم يكتبوا عنها، كأن كتابنا عاشوا في العراء، كأنهم أبناء السبيل الذين قطعت بهم الطرق، مشردون، لا شيء يوحي بأن محمد ديب ولد بتلمسان، لا شيء يوحي بأن الطاهر وطار أو عبدالحميد بن هدوقة عاشا بالجزائر العاصمة، لا شيء يوحي بأن كاتب ياسين كاتب جزائري، لا شيء يوحي بأن إسياخم أو باية أو محمد خدة أو محمد راسم قضوا حياتهم في معركة ما بين ألوان اللوحة ومحنة الجزائر، لا شيء يوحي بأن العنقا أو دحمان الحراشي أو قروابي أو فضيلة دزيرية أو الشيخة الريميتي صرفوا أعمارهم في الغناء لصناعة فرح أبناء هذا البلد؟
لا شيء يوحي بأن مفدي زكريا شاعر النشيد الوطني كان له المقام الأول في الجزائر وفي غرداية. فالمدن تولي ظهرها لكتابها وفنانيها.
كل أثر لهم مطموس، حتى قبورهم ضاعت في المقابر، بين قبور أخرى.
المدن التي لا ذاكرة لها مدن تشبه رواقا معرّضا لمجرى الهواء، هواء يصفر، وذاكرة المدن كتابها وفنانوها ومسرحيوها وسينمائيوها.
    ماذا فعل الجزائريون بمغارة سرفنتيس الموجودة بأعالي العاصمة، حي بلكور، وهي المغارة التي اختفى فيها بعد هروبه من السجن، وفيها شرع  في كتابة روايته العظيمة "دون كيشوت"
هذه الأوجاع الفكرية والنفسية شعرت بها هذه الصائفة وأنا أزور، قرية صغيرة بشمال فرنسا، اسم القرية أو الدشرة الأصلي هو إيليي، وهي القرية التي تمثل المكان الذي ألهم مارسيل بروست (1871-1922) لكتابة روايته الشهيرة “في البحث عن الزمن المفقود” التي حصلت على جائزة الغنكور عام 1919، وهي واحدة من أهم النصوص الروائية الفرنسية والعالمية خلال القرن الماضي، ففي هذه القرية إيليي قضى مارسيل بروست الطفل عطله عند عمته  ليوني Léonie لثلاث سنوات  متتالية ما بين 1877- 1880، وسنجد جميع المناظر الطبيعية في الرواية مستوحاة، بل مرسومة سرديا ولغويا من يوميات ناس هذه الدشرة أو هذه القرية ومناظرها، حيث كانت تعيش عائلة بروست البرجوازية، هي القرية بتفاصيلها الطبيعية وبمنازلها ومزارعها وعاداتها وحدائقها، إلا أن  بروست لجأ إلى تغيير اسم القرية من إيليي الواقعية إلى كمبراي الخيالية، ولكن التأثيث البشري والطبيعي الموجود في القرية الحقيقية هو نفسه في القرية المتخيلة.
إن الذكاء الجماعي في القرية اليوم يعمل بجد على خلق فرصة الاستثمار في هذا الكنز الذي هو مارسيل بروست وأيضا في روايته “في البحث عن الزمن المفقود”، ففي سنة 1971 وبمناسبة الذكرى المئوية لميلاد مارسيل بروست، قرر المقيمون على إدارة شأن قرية إيليي التي أطلق عليها الروائي اسم  كمبراي في الرواية، تغيير اسم قريتهم وتوأمتها باسم القرية الخيالية في الرواية، وأصبح اسمها الرسمي إيليي-كمبراي.
وشخصية العمة ليوني في الرواية هي شخصية العمة إيليزابيت الحقيقية  وبيتها في الرواية هو بيتها في الواقع بكل تفاصيله الدقيقة، لذا فقد حولت البلدية بيت العمة إلى جزء من متحف “بروست” واحتفظت فيه بما بقي من أثاث كطقم الشاي وبعض الأسرة، السرير الذي كان ينام عليه مارسيل بروست حين يجيء لقضاء عطلته، وكذلك ورق الجدران الكلاسيكي… وكل ذلك موجود في أوصاف الرواية، وأطلقوا على البيت اسم متحف ليوني أي الاسم الروائي للعمة في “في البحث عن الزمن المفقود”.
كما ألحقت حديقة العمة بالمتحف ليشكل وحدة متكاملة، وهي أيضا الحديقة الموجودة في الرواية، كل ذلك لجعل القرية مزارا أدبيا حقيقيا، وهو ما فك العزلة عن هذه القرية وبدأ آلاف المعجبين ببروست يجيئون لاكتشاف هذا المكان الذي خلق نصا مدهشا وخالدا.
وتوافد على القرية الكثير من سياح الأدب والباحثين في أدب بروست  للإقامة في هذه القرية، وتشكلت جمعية أصدقاء بروست لتتولى الإشراف على المتحف وتسييره وتوسيعه مع أمل أن يكون مقصدا عالميا متميزا لما يسمى بسياحة النخبة الأدبية والفنية والفكرية.
    الأوجاع الفكرية والنفسية شعرت بها هذه الصائفة وأنا أزور، قرية صغيرة بشمال فرنسا، اسم القرية أو الدشرة الأصلي هو إيليي، وهي القرية التي تمثل المكان الذي ألهم مارسيل بروست (1871-1922) لكتابة روايته الشهيرة "في البحث عن الزمن المفقود"
وأنا أزور القرية والمتحف تساءلت يا ترى ماذا كان سيكون مصير بروست لو كان جزائريا؟ الجزائر البلد الذي ولد فيه أب الرواية في كل تاريخ الأدب العالمي ألا وهو أبوليوس (125-170) صاحب رواية “الحمار الذهبي” وهو من مواليد مداوروش ولاية سوق أهراس بالشرق الجزائري، وبها أنشئت  أول جامعة أفريقية تحت حكم سيفاكس، اليوم لا نكاد نعثر على أثر لهذا الروائي الكبير، ولا يعرف حتى سكان القرية بأنه من تراثهم، بل لو سألت أحدهم عن أبوليوس لقال لك: إنه أوروبي أو أميركي؟؟
ماذا فعل الجزائريون بمغارة سرفنتيس الموجودة بأعالي العاصمة، حي بلكور، وهي المغارة التي اختفى فيها بعد هروبه من السجن، وفيها شرع  في كتابة روايته العظيمة “دون كيشوت” التي ضمّن فيها الكثير من الشخصيات الجزائرية وكثيرا من أجواء مدينة الجزائر. إنها اليوم مكان مهجور يتهاوى أمام التجاهل والتنكر واللامبالاة؟
ماذا فعلنا بمدينة سوق أهراس التي ولد بها القديس سانت أوغسطين (354-430)، لا أحد يستطيع أن يعيد أيّ خارطة يمكنها أن تدلنا على مكان ولادته وهو رجل الدين والمفكر والفيلسوف الذي خلخل كثيرا من مفاهيم المسيحية، صاحب اثنين من أهم الكتب الفلسفية “الاعترافات” و”مدينة الله”؟
لقد قتلت ثقافة البداوة المتوحشة تاريخا ناصعا لمدننا وقرانا، قتلت تاريخ الأمكنة والأشخاص، اغتالت تاريخا مليئا بالرموز الإنسانية العالمية الكفيلة بإعادة ربط البلد بالعالم، وبالتالي فك العزلة عن “العقل”، لأن عزلة العقل هي أكبر مصيبة تصيب الشعوب وتسجنها في “غرورها” الجاهل وتعصبها المتخلف.
روائي وأكاديمي جزائري

قيم الموضوع
(0 أصوات)