ardanlendeelitkufaruessvtr

إشكالية المثقف والسياسي

إشكالية المثقف والسياسي
حميد سعيد
العمل السياسي ربما قاد المثقف وغير المثقف أيضاً، إلى مواقف غير مبدئية، بل تتعارض أحياناً مع ما هو مبدئي، لكنه يقود أيضاً إلى مواقف مبدئية، وما يتعرض له بعض المثقفين من إساءات.
المثقف سياسي أيضا
سألني كاتب مثقف قائلاً: لا تزال إشكالية المثقف والسياسي قائمة وفاعلة ومؤثرة، وبما أنك شاعر ومثقف وسياسي، كيف تنظر إلى هذه الإشكالية، من وجهتي الانسجام والاختلاف؟
فأجبته: حتى لا تبدو إجابتي تراجعاً، وكي لا تفهم على غير حقيقتها، فيطبل لها المطبلون، وما أكثرهم في أيامنا هذه، أتمنى أن تعود إلى أكثر من حوار، سئلت فيه مثل هذا السؤال، فأجبت عنه في وقت كنت أتسنم فيه مسؤوليات مهمة، قائلاً بوضوح وحسم: لستُ سياسياً، وإنما أنا مؤمن بأفكار وأهداف، عملت طويلاً وفي ظروف مختلفة من أجل تحقيقها،وعانيت بسبب هذا الإيمان وما كان يدفعني إليه من مواقف كثيرا وما زلت أعيش مثل هذه المعاناة،  واعترضت يوماً على من وصفني بالعقائدي وقلت: أنا محبّ ولست عقائديا.
وكتبت في أكثر من مناسبة، إن السلطة، أية سلطة، تتناقض بهذا القدر أو ذاك مع المبادئ، وجميع هذا الذي أشرت إليه، نشر في منابر إعلامية مهمة، يمكن الوصول إليها، سواء بالعودة إليها مباشرة أم بالبحث عنها في ما انتقل منها إلى المراجع الإلكترونية، كما أحتفظ ببعض منها في مكتبتي ببغداد، ومنها ما تم تداوله والرجوع إليه في بحوث ومقالات تناولت صفحات من سيرتي المتواضعة..
    ما ينبغي على المثقف أن يحرص عليه هو الموقف المبدئي، سواء جاء متطابقاً مع الموقف السياسي أم متعارضاً معه، مع أن الموقف السياسي خيار شخصي يتحمل المرء تبعاته
غير أن العلاقة بين المثقف والسياسي، التي وصفها السؤال بالإشكالية، لا تعني التحريم، فهناك حالات وتجارب تؤكد الجمع بين الدورين، وما أستحضره الآن منها يأتي على سبيل المثال وليس الحصر، منها انخراط أندريه مالرو وبابلو نيرودا ورافائيل البرتي وجورج بومبيدو وغيرهم في العمل السياسي، بعض الوقت أو جميعه، وكانوا دائماً من أهم المثقفين وكبار المبدعين.
وما ذهبنا إليه يقود إلى سؤال آخر، هو: هل مطلوب من المبدعين بعامة ومن الشاعر على وجه خاص، أن يكون ذا موقف سياسي، أم أن موقفه الإنساني يملي عليه أن يقاطع التوجهات السياسية؟ وهذا سؤال إشكالي. لكن يمكننا القول: في الحياة الإنسانية، يصعب مثل هذا التحديد، أن يكون أو لا يكون، أن يفعل وأن لا يفعل، فهذه خيارات تحددها الظروف العامة والمكونات الشخصية في آن واحد، وبالتالي فالانخراط في العمل السياسي ليس نقيضاً للموقف الإنساني، وربما كان الموقف الإنساني، وهو تعبير فضفاض، لا يعبر في مراحل الاحتدام الوطني، وبخاصة حين يكون الوطن محتلاً، وما ينبغي أن يؤدي المواطن، حتى لو كان فناناً عظيماً، من دور إيجابي فاعل على الصعيدين الفكري والعملي ومنه الانخراط في الجهد المقاوم، هو جوهر الموقف الإنساني، رغم الالتباسات التي تقترن في كثير من الحالات بالجهد المقاوم، الذي ربما تداخل فيه العنف بالكفاح والانفلات بالتضحية.
حين كتبت الدكتورة بشرى البستاني منذ وقت قريب عن إحدى قصائدي التي كتبتها في مواجهة الاحتلال، اختارت لمقالها عنواناً هو “الشعر بين الأدب والسياسة”، وقد اقترح عليها الدكتور عبدالستار الراوي أن لو كان العنوان “الشعر بين الأدب والمقاومة”، وهذا يعني أن النشاط السياسي في بعض المراحل التاريخية يحيل إلى النشاط المقاوم، والتداخل بين السياسي والمقاوم يكون في الواقع كما يكون في الكتابة وتحديداً في المصطلح.
غير أن أكثر المواقف سوءاً في الخلط بين الثقافي والسياسي، يظهر في مواقف تعتمد الابتزاز والادعاء والضجيج الكلامي، سواء انحازت في مواقفها إلى السياسي أم إلى الثقافي، وقد شهدنا ما حدث في بعض التنظيمات التي تنتسب إلى المقاومة الفلسطينية بالادعاء وليس بالفعل المقاوم، في سبعينات القرن الماضي وتحديداً في الفضاء اللبناني، حيث كنا نلتقي بأشخاص يقضون لياليهم ونهاراتهم في اللغو والتسكع، غير أنهم يتطاوسون على خلق الله، كونهم رجال مقاومة، وهم لا في عير السياسة ولا في نفير الثقافة، وأمثال هؤلاء يسيئون للمقاومة وللمقاومين الحقيقيين المضحين وللشهداء والمشردين عن أوطانهم الملاحقين أنىّ كانوا أكثر مما يسيء أعداء المقاومة لها، أما من كان من هؤلاء ممن يعد نفسه من مثقفي المقاومة، فإن إساءته للثقافة لا تقل عن إساءته للعمل المقاوم.
    الانخراط في العمل السياسي ليس نقيضاً للموقف الإنساني، وربما كان الموقف الإنساني، وهو تعبير فضفاض، لا يعبر في مراحل الاحتدام الوطني، وبخاصة حين يكون الوطن محتلا
وسمعنا في العراق عن مثقفين وإعلاميين، جاءوا مع المحتلين أو تعاونوا معهم، ونالوا الكثير من عطاياهم، من دون خجل، ليس لأنهم لا يخجلون فحسب، بل لأنهم خسروا كل شيء، إنسانيتهم ووطنيتهم وكرامتهم، والأنكى من كل هذا، أنهم ظلوا يشنون حملات كلامية بذيئة وتحريضية على كل من وقف في مواجهة مخطط الاحتلال التدميري ونأى بنفسه عن أية علاقة معه، ويتهمونه بمناصرة الإرهاب حيناً ومعاداة الديمقراطية حيناً آخر.
لا شك في أن العمل السياسي ربما قاد المثقف وغير المثقف أيضاً، إلى مواقف غير مبدئية، بل تتعارض أحياناً مع ما هو مبدئي، لكنه يقود أيضاً إلى مواقف مبدئية، وما يتعرض له بعض المثقفين من إساءات واضطهاد وقهر، ليس لأنهم يمارسون نشاطهم الثقافي تحت عنوان سياسي معين، بل لأنهم يعبرون عن مواقف مبدئية ويتمسكون بها ويضحون من أجلها، فما يستهدف هو الموقف المبدئي وليس الموقف السياسي، وما ينبغي على المثقف أن يحرص عليه هو الموقف المبدئي، سواء جاء متطابقاً مع الموقف السياسي أم متعارضاً معه، مع أن الموقف السياسي خيار شخصي يتحمل المرء تبعاته.
وأنهي مقالتي هذه بشأن موضوعة إشكالية المثقف والسياسي، بما قالته الكاتبة والروائية الأميركية من أصول أفريقية أليس ووكر، وهو قول يتسم بالعمق “إن معظم من أعرفهم من الفنانين يلتزمون حقيقة، بمحاولة تغيير الناس وتغيير العقول وتغيير القلوب”.
ومن المعروف أن أليس ووكر تمارس العمل العام، وحين يتطلب عملها هذا، الخوض في نشاط سياسي، تمارسه بإصرار وشجاعة، وتتحمل نتائج نشاطها ذي الطابع السياسي.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)