ardanlendeelitkufaruessvtr

أمي الدميمة أجمل نساء العالم

بقلم رابعة الختام أيلول/سبتمبر 30, 2019 53

أمي الدميمة أجمل نساء العالم
رابعة الختام
أمك الدميمة قدرا، المريضة قهرا، الفقيرة غصبا، هي امرأة رائعة أعطتك ما لم تعطه غيرها، الأمهات لسن صالحات بجمالهن وبهائهن وأنوثتهن، ولكن بمدى قدرتهن على العطاء والحب والاحتواء، بما يقدّمنه من تضحيات.
الأم منحوتة إنسانية شديدة الروعة والجمال
هواء الشتاء البارد وزخّات المطر اللذيذ التي تداعب وجوه الصبايا، وتحمل معها الخير والنماء لا تمثل لها ما تمثله لغيرها، فهي عدوة الشتاء، تمرض فيه، تنزوي، تتآكل من الداخل والخارج.
تزهر الأشجار وتتلون الورود بألوانها البديعة، ويقذف الشجر ثماره معلنا بداية فصل الخير، بينما تتوارى عبير التي لم تعد تحمل من اسمها غير أحرف باهتة في بطاقة الهوية عن الأعين المتربصة بالجسد الناحل، المتنمرة للمرأة التي فقدت وزنها ونضارتها وباتت فريسة للآلام والآهات، تنجح في التخفي عن أعينهم، لكنها حتما تفشل في الاختباء من المرض متسارع الخطى، لا تستطيع أن تغيب عنه.
نوبات المرض وما يسمى بهجمات الشتاء المميتة تفاجئها في أوقات متفرقة، وعلى فترات متقاربة، تهاجم جسدها الآخذ في النحول والتلاشي، فتحتل مساحات شاسعة من الجسد الضامر بعد نَداوَة وجمال غُصْن كانت تحسدنها عليه كثيرات.
جارتي الأربعينية الطيبة، الخجولة، أصيبت بمرض نادر، لا يعرف كُنْهه، ولا أسبابه، مرض احتار فيه الأطباء، وعجزت العقاقير الكثيرة المبتلعة بالفم والمحقونة لتسري في دمائها مباشرة، والمدهونة عن التعامل معه وإيقاف زحفه، فقط مجرد محاولات بائسة للسيطرة عليه وتحديد إقامته في ما هاجم من أجزاء الجسد، وحتى لا يتخطى حدوده زاحفا إلى باقي الأجهزة، عابرا خلاياها وشرايينها.
حالتها المرعبة بدأت في التزايد منذ كانت طفلتها في المدرسة الابتدائية وهي التي تقوم بإيصالها يوميا ولا مفر من ذلك، تتحامل على نفسها رغم الآلام المبرحة، تذهب بطفلتها صباحا وتعود بها في آخر النهار بعد يوم عمل شاق، لكن هذا المجهود المبالغ فيه والذي يحملها جهدا فوق طاقتها لم يدم طويلا، طردت من عملها بعد تأثير المرض على ملامحها، وتغيّر شكل الجسد بطريقة مرعبة.
باتت تعليقات زملاء العمل الهامسة ونظرات السخرية والشفقة ترهقها أكثر مما يرهق المرض جسدها وينال من روحها، انزوت على نفسها أكثر وطالت فترات بقائها وحيدة بالمنزل، هجرها الزوج لأخرى مكتملة الأنوثة والجسد والأطراف!
لم يبق لها سوى أبنائها ودخل هزيل من ميراث بالكاد يفي باحتياجاتها واحتياجات أسرتها الضرورية، وثمن بعض أدوية تحاصر المرض.
قصدت بيتي أكثر من مرة لأحضر لها دواء لم تفلح في العثور عليه، كنت أحاول توفيره عن طريق مخازن وزارة الصحة، أو بعض الأصدقاء المسافرين خارج حدود الوطن، معاناة عصية على التحمل.
لسنا جميعا في القدرة على التحمل سواء، ما تتحمله أنت برحابة صدر وأريحية مع قدر من الأذى النفسي ممكن ومقبول، لا أستطيع أنا الصبر عليه ولا تقبله، وقد أراه نهاية العالم. المسكينة تعرّضت لهجمات شرسة من التنمّر عليها وعلى شكلها، الجميع لا يرحم ضعفها ولا مرضها، لكنها تحمّلت العالم من أجل أبنائها.
تثور ابنتها عليها بين الحين والأخر متأففة من ذهابها لاصطحابها من المدرسة، ففي طريق العودة لا تتحمّل الابنة نظرات زملائها ولا تعليقاتهم السلبية المحبطة تجاه الأم، تدثرت بقطعة قماش سوداء تخفي كل ملامحها وترحمها من نظرات التلصص، باتت تعيش الحياة من وراء حجاب، تتعامل مع البشر بساتر يخفيها عنهم، بعد أن فشلت أكوام المساحيق في إصلاح ما أفسده المرض.
لا أراها امرأة مريضة، ولا جثة مشوّهة كما تقول لها ابنتها المراهقة. هي في نظري منحوتة إنسانية شديدة الروعة والجمال، كينونة شديدة الخصوصية، امرأة تُشرق بقلبها دائما وتمنح من حولها بعضا من روحها، تعطي عبيرا مجانيا فاح شذاه على الجميع، تنثر حيوية وجمالا على جميع من حولها.
أمك الدميمة قدرا، المريضة قهرا، الفقيرة غصبا، هي امرأة رائعة أعطتك ما لم تعطه غيرها، الأمهات لسن صالحات بجمالهن وبهائهن وأنوثتهن، ولكن بمدى قدرتهن على العطاء والحب والاحتواء، بما يقدّمنه من تضحيات من أجل أسرهن.
خلف كل جدار حكاية أم، قصص مضحكات، مبكيات، حقائق في تفاصيلها، شجن تعجز عن وصفه كل حكايات الدراما والخيال.
ذكرتني دموع عبير التي تنمّر عليها العالم وجرحت مشاعرها ابنتها المراهقة، بحكاية ماري، فلم تكن ماري آن بيفان، الفائزة بجائزة أقبح امرأة في العالم بالمملكة المتحدة في القرن الثامن عشر، امرأة جميلة شكلا، ولكن روحها وإنسانيتها تغلّبت على مظهرها الخارجي.
مجرد ممرضة شابة جميلة بإحدى مستشفيات بريطانيا، تتشابه قصتها مع كثيرات، تزوجت وأنجبت أربعة أطفال، وحين بلغت عامها الثاني والثلاثين أصيبت بمرض العملقة وضخامة الأطراف، متلازمة تنتج عن زيادة إفراز هرمون النمو (GH) من قبل الفص الأمامي للغدة النخامية، تغير ملامح الوجه كليّا وتبدأ الأطراف في التضخّم والتشوّه الكلّي، مع ضعف حادّ في البصر، وآلام شديدة القسوة في العضلات والمفاصل.
وبعد فوزها بالجائزة الساحقة لكرامتها وإنسانيتها عرض عليها السيرك العمل في مهنة بهلوان يضحك الجمهور، تتألم بجسد مليء بالجروح والالتهابات الحادة لإطعام صغارها.
يسمع أبناؤها بكاءها عندما تحضر الخبز وهم جياع، تبكي طوال الليل، وتقول أشعر إنني لا أستحق أن أكون أمّا صالحة، هل يجب أن أكون جميلة حتى يحترمونني.
الآباء جميعهم متشابهون وكذلك الأمهات في عطائهم الإنساني، وتوزيع مشاعر الحب والحنان على أبنائهم فبقدر استطاعتهم يعطون ويهبون.
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)