ardanlendeelitkufaruessvtr

روما وأنقرة شرطيان في المتوسط

بقلم طارق القيزاني تشرين1/أكتوير 06, 2019 302

روما وأنقرة شرطيان في المتوسط
طارق القيزاني
لم تكتف روما بإدارة ظهر المجن للمهاجرين والأجيال الجديدة من الوافدين بل إنها نجحت في تحجيم جزء كبير من الدور الذي تلعبه سفن الإنقاذ غير الحكومية في البحر المتوسط.
تضييق الخناق أكثر فأكثر على المهاجرين
قبل قرون عديدة كانت إيطاليا تتحكم بشكل كامل في حركة الملاحة التجارية والعبور في البحر الأبيض المتوسط. وحتى وقت قريب كان حلم الجنرال الدوتشي موسيليني في ثلاثينات القرن الماضي، أن تستعيد روما هذا الدور القديم الذي لعبه العثمانيون والقراصنة أيضا.
خسرت روما الرهان في منتصف الحرب العالمية الثانية ولكنها وبعد عقود استعادت زمام المبادرة في حوض المتوسط من بوابة الهجرة بما جعلها أكثر الدول استفادة من الناحية الاقتصادية. يعترف “بنك إيطاليا” مثلا في دراسة نشرها في 2018 بإسهامات المهاجرين الواضحة، فلولا المهاجرون لما تمكنت إيطاليا من تحقيق نسبة نمو متراكمة بـ2.3 بالمئة بين 2001 و2011 وأن النسبة كانت ستصل إلى مستوى انكماش بـ 4.4 بالمئة أو حتى أكثر من ذلك من دون المهاجرين.
كما تؤكد الدراسة على أن التحولات الديموغرافية في إيطاليا كان سيكون لها أثر أكثر ضررا باقتصاد البلاد والتركيبة السكانية لولا تدفق المهاجرين الذين ساهموا في رفع معدل الخصوبة بشكل جلي.
على النقيض من كل ذلك لا تجد تلك الحقائق صدى لدى الحكومة الشعبوية في روما اليوم. وهي بدلا من الاستفادة الموسعة، فإنها نجحت في تغيير دفة الهجرة إلى موطن نزاع سياسي وانتخابي فج على حساب الإنجازات التي حققها المهاجرون.
لم تكتف روما بإدارة ظهر المجن للمهاجرين والأجيال الجديدة من الوافدين بل إنها نجحت في تحجيم جزء كبير من الدور الذي تلعبه سفن الإنقاذ غير الحكومية في البحر المتوسط بالإضافة إلى غلق موانئها لاستقبال اللاجئين والفارين من الحروب وسطوة الميليشيات التي تعمل لحسابها في ليبيا فضلا عن الضغوط الممارسة على تونس لتكون منصة استقبال للاجئين وجدارا أمنيا متقدما لإيطاليا في الجنوب.
وليس هذا فحسب فقد تمكنت روما من أن تستقطب الجبهة اليمينية في الاتحاد الأوربي وأن تملي مطالبها بتقييد حركة الهجرة غير النظامية لتتحول فعليا إلى شرطي الهجرة في هذا الفضاء.
وسيتسنى الآن للسلطات الإيطالية وعبر إصدارها لمرسوم جديد اختصار آجال ترحيل اللاجئين الذين ترفض طلباتهم تحت أي حجة كانت، إلى مدة أربعة أشهر بدل العامين. وسيشمل هذا القرار 13 دولة من بينها تونس والمغرب والجزائر.
لا تكف إيطاليا خلال حكم زعيم رابطة الشمال ماتيو سالفيني ذي المزاج المتقلب حتى مع حلفائه في حركة خمس نجوم، عن تضييق الخناق أكثر فأكثر على المهاجرين وهو الملف الذي بات يتحكم في اتجاهات نوايا التصويت بهذا البلد.
فبخلاف المغانم السياسية لم تنجح السياسات التي دفعت بها الحكومة الشعبية قبل تصدعها، في أن تحقق أهدافها المعلنة مثل الادعاء بتفكيك عصابات تهريب البشر والحد من الموت في البحر وإيقاف نزيف الهجرة غير الشرعية على سواحل إيطاليا مقابل تعزيز الاستثمار وخلق فرص للشباب اليائس في دول المغرب العربي مثلا.
وبحسب إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة فإن رقم الوفيات من المهاجرين غير النظاميين لن يقل عن الألف هذا العام، وهو العام السادس على التوالي الذي سجلت فيه المنظمة الدولية ألف حالة وفاة على الأقل في المياه التي تفصل أوروبا عن أفريقيا والشرق الأوسط، وهي الفترة أيضا التي فقد خلالها ما لا يقل عن 15 ألف ضحية حياتهم في معابر البحر المتوسط.
وحتى تركيا التي استقطبت مئات الآلاف من المهاجرين من بلدان النزاعات في آسيا والشرق الأوسط، ولاسيما من سوريا، باعتبارها منطقة عبور إلى أوروبا فهو بلد لا يعتد به في مجال حماية اللاجئين، وهي حماية تتجاوز مجرد فتح الحدود ونصب المخيمات، فطالما أن السوريين الذين يفوق عددهم هناك الثلاثة ملايين بحسب السلطات، غير مدمجين بشكل كامل في سوق العمل التركية والواسعة وفي مؤسسات التعليم والخدمات الاجتماعية، فإن السياسة الرسمية تجاههم لا تتعدى كونها ورقة ضغط سياسية في خاصرة أوروبا الغربية.
وباستخدامه لورقة اللاجئين السوريين وخبرته في الإحاطة بالتنظيمات المتشددة داخل سوريا، نجح نظام أردوغان على مدار سنوات في كسب الكثير من النقاط السياسية والمادية أيضا على حساب دول الاتحاد الأوروبي. وهو لا يزال يبقي جيرانه الأوروبيين تحت الضغط المستمر.
ولكن على النقيض من المكاسب السياسية لأنقرة فإن يوميات السوريين في ذاك البلد لا تخلو من المعاناة اليومية بالرغم من كل المساحيق التي تسعى الحكومة إلى التسويق لها.
صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)