ardanlendeelitkufaruessvtr

أين العرب بعد زيارة أردوغان لموسكو

بقلم مروان ياسين الدليمي آب/أغسطس 16, 2016 52

أين العرب بعد زيارة أردوغان لموسكو
مروان ياسين الدليمي
رغم ما تم التوصل إليه من تفاهمات مهمة بين الزعيمين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان على إثر زيارة الأخير لموسكو بعد خصومة حادة كانت الأزمة السورية سببا جوهريا فيها نتيجة تقاطع الموقفين إزاءها، إلا أن السياسة الأردوغانية الطامحة إلى لعب دور زعاماتي على مستوى العالم الإسلامي لا يبدو فيها ما يوحي بأنها ستحيد بعيدا عن ثوابتها المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط رغم ما يبديه أردوغان من براغماتية مع القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمة ذلك روسيا وإيران رغم اختلاف المواقف بينهما في عدد من المسائل خاصة في ما يتعلق بالصراع الدائر على الأرض السورية وطبيعة العلاقات المتينة، عسكريا وسياسيا، التي يرتبط بها نظام أردوغان مع البعض من الفصائل السورية المسلحة التي تقاتل نظام دمشق.
بمعنى لن يكون هناك تغير جوهري في سياسة تركيا بهذا الاتجاه، لأن أردوغان يدرك جيدا بأن هذه العلاقة تعد من وجهة نظره جزءا حيويا من مفاتيح الأزمة السورية التي يتوجب عليه الاحتفاظ بها، وعلى هذا الأساس ستراعي السياسة الخارجية التركية هذا الموضوع وستوليه أهمية قصوى في ما لو توصلت إلى أي اتفاق، سواء مع روسيا أو مع إيران، لأنها تدرك أهمية الاحتفاظ بما تمتلكه من أدوات ضغط وتأثير على الأرض السورية بيديها، في ذات الوقت الذي تبدي فيه مرونة واستعدادا لعقد صفقات وتفاهمات مع أطراف دولية وإقليمية تقف على الضد منها وفي مواجهة سياساتها، وفي كل الأحوال فإن مجمل الاتفاقات التي يمكن أن تتوصل إليها مع هذه الأطراف تكتسب أهميتها الاقتصادية بنفس القدر الذي تكتسبه أهميتها السياسية.
ومثلما أن الروس والإيرانيين لديهم ما يقدمونه لتركيا كذلك فإن تركيا لديها أيضا ما تقدمه لروسيا وإيران خاصة بعد أن وصلت علاقاتها مع أميركا والأوروبيين إلى مرحلة من التشنج واللا تفاهم على إثر الموقف السلبي الذي أبداه المعسكر الغربي إزاء الانقلاب العسكري الفاشل، فالمسألة ليست عملية لي أذرع إنما تأتي في إطار البحث عن نقاط الالتقاء وتوسيعها خاصة وأن الأطراف الثلاثة تجمعها الكثير من العوامل التي تؤهلها لتشكيل قوة إقليمية، ومن المستبعد أن تسمح للأسد شخصيا، وليس نظامه، بأن يصبح حجر عثرة أمام ما تتطلع إليه من زيادة نفوذها وهيمنتها في تقرير مستقبل المنطقة.
يمكن القول إن سياسة أنقرة في عهد أردوغان لا تخضع في علاقاتها الخارجية لضغوط القوى الدولية الكبرى، بقدر ما تشعر تركيا بأن على أميركا والقوى الغربية وكذلك روسيا أن تضعها في حساباتها باعتبارها جزءا حيويا من المجال الذي يتحرك ويتمدد فيه نفوذها.
لا شك بأن فشل الانقلاب العسكري الأخير بالطريقة التي فاجأ بها الشعب التركي العالم قد زاد من تضخم هذا الشعور لدى الزعماء الأتراك، خاصة بعد أن اكتشف أردوغان أن ساسة الغرب إن لم يكونوا قد تورطوا بالانقلاب فعلى الأقل لم يعلنوا عن موقف رافض له أو مساند للنظام القائم، فما كان منه إلا أن يعيد ترتيب حساباته ويجري تعديلا كبيرا على قائمة أصدقائه وأعدائه، وما زيارته إلى روسيا التي كانت حتى الساعات التي سبقت الانقلاب في قائمة الخصوم إلاّ ما يؤكد جدية هذا المسعى لديه.
حديث أردوغان إلى وكالة تاس الروسية، بعد لقائه مع الزعيم الروسي، ردد فيه كثيرا كلمة صديق كلما ذكر اسم بوتين، وهذا ما أعطى مؤشرا واضحا على أن هنالك مستجدات سنشهدها في الأيام القادمة خاصة في ما يتعلق بالمسألة السورية التي كانت نقطة الافتراق بين الاثنين. ومن الطبيعي أن تشعر جميع الأطراف المشاركة أو المتورطة بالصراع السوري بالقلق وهي تنتظر ما سيسفر عنه هذا اللقاء من نتائج ملموسة على الأرض في الأيام القادمة.
كما يبدو فإن رجب طيب أردوغان قد أمسى لديه استعداد كاف لكي يجري تعديلا عميقا في موقفه إزاء القضية السورية، خاصة وأن أكثر ما يؤرقه فيها هو التمدد الكردي عند حدود بلاده من جهة الجنوب، وإزاء موقفه المتصلب والرافض لإقامة إقليم كردي في شمال سوريا وما سينتج عنه من تداعيات على جنوب شرق تركيا الذي تقطنه غالبية كردية سيكون من الطبيعي أن يذهب إلى موسكو ويعتذر لبوتين عن سقوط الطائرة الحربية الروسية ومقتل قائدها، حتى لو بدا ذلك تنازلا منه، فالمهم بالنسبة إليه أن يمارس دهاءه وبراغماتيته لأجل أن يصل إلى اتفاق مع الروس يحقق من خلاله الهدف الجوهري من زيارته، والذي يتلخص في قطع الطريق أمام قيام إقليم كردي في شمال سوريا، والنجاح في إقناع الروس بإيقاف الدعم لحزب العمال الكردستاني والجماعات الكردية التي تتماهى معه في الأهداف والتطلعات الانفصالية، على غرار وحدات حماية الشعب الكردستاني بزعامة صالح مسلم، وعلى ما يبدو فإن الزيارة قد قطعت شوطا كبيرا في هذا المسار الذي ذهب من أجله أردوغان إلى موسكو.
روسيا من جانبها أبدت استعدادا لإجراء بعض التعديلات في سياساتها إزاء المسألة السورية خاصة في ما يتعلق بشخص رئيس النظام الذي لم يكن من ضمن أولويات ثوابتها، فهي لم تكن تصر طيلة الفترة الماضية على بقاء بشار الأسد، بل كان موقفها يتمحور في حرصها على بقاء الدولة والنظام، وهذا الموقف مهّد الأرضية الجديدة التي وقف عليها الإثنان.
السؤال الذي قد يطرح الآن؛ إلى أي مدى سيكون الموقف التركي ملتزما بالصمت والتغاضي إزاء القصف العنيف الذي ترتكبه الطائرات الروسية بحق قوى المعارضة السورية بما فيها التي تتلقى دعما منها، وكيف ستكون العلاقة مع هذه الأطراف المسلحة من الناحية العسكرية بعد أن تبدأ تركيا بتطبيق الاتفاق الذي أبرمته مع الروس، والذي يفرض عليها أن تغلق الحدود أمام دخول وخروج الجماعات المعارضة المسلحة وعدم السماح بأن تكون الأراضي التركية الشريان الذي يمدها بالسلاح.
بعد هذه الزيارة التي قام بها أردوغان إلى روسيا وما أعقبها من زيارة محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران إلى تركيا، والتي لا تخرج بدورها عن إطار الهدف الذي ذهب من أجله أردوغان إلى موسكو، لا بد أن نتوقع متغيرات جديدة ستشهدها الحالة السورية.
بنفس الوقت يأتي هذا التحرك الثلاثي، روسيا وإيران وتركيا، في مسعى جدّي من قبل هذه القوى لإيجاد تحالف دولي يقف أمام التحالف الغربي الذي تقوده أميركا وأوروبا في منطقة الشرق الأوسط بما تشكله هذه المنطقة من أهمية سياسية واقتصادية لكل واحدة من هذه الدول الثلاث، كما يعني أيضا أن لدى هذه القوى استعدادا كافيا لكي تلتقي عند مشتركات التفاهم في ما بينها والعمل على إنضاجها وعدم التفريط بها في مقابل تنحية ما بينها من نقاط خلافية.
في خضم هذه الأجواء الساخنة والمتسارعة يلاحظ على العرب أنهم غائبون تماما عما يجري وفي المقدمة منهم السعودية ومصر، وكأن ما يجري لا يعنيهم ولن ينعكس بنتائجه عليهم. بكل الأحوال فإن هذه المؤشرات تعني لدى المراقبين فشلا واضحا في السياسة العربية الدولية خاصة ما يتعلق بالقضية السورية.
كاتب عراقي
   
           

سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث