ardanlendeelitkufaruessvtr

بعضٌ من سوق الفكر المضلل

بقلم د. قيس النوري تشرين1/أكتوير 10, 2019 66

بعضٌ من سوق الفكر المضلل
د. قيس النوري
انتج الموروث الغربي فكراً دعا إلى الحرية والعدل والمساواة وتبناها (أساسه الثورة الفرنسية)، لكن هذه الدعوات فهمت في الشرق أنها دعوات ذات استطالات عالمية، بمعنى أنها دعوات ذات طابع إنساني ممتد لا تتوقف عند حدود، وهو فهم خاطئ، فتلك الأفكار والدعوات وما نتج عنها من تأسيسات قانونية ومجتمعية، صممت أساسا لمعالجة الآثار المجتمعية المدمرة لعصور أوربية سابقة، استعبد فيها الإنسان الأوربي حتى تحول إلى مجرد سلعة في إطار ملكية الإقطاعي المتحالف مع الكهنوت الكنسي، شأنه شأن المحراث ومكونات الاسطبل من بهائم، حتى حررته النهضة الأوربية من ربقة الكهنوت وسطوة الإقطاع وأعادت إليه إنسانيته.
عصر ما بعد النهضة الأوربية، ثورة مجتمعية جذرية بالمقاييس كلها، لكنها لم تلغ النزعة الاستعمارية المتطلعة إلى خارج جغرافية القارة بخاصة بعد تطور الإنتاج الكلي، الصناعي منه بوجه خاص الباحث عن توسيع السوق، بمعنى أن تلك النزعة ظلت هي النسغ الحاكم والرابط الجامع لمركز السلطة، فالعيون ترنو إلى ما وراء القارة، وبالتحديد نحو ما يمتلكه المتوحشون (نحن) من موارد بغير وجه حق، ما دام الأمر كذلك فإن الثروة هناك، عبر البحار، ثروة تنتظر مستحقيها ورثة الحضارة! فالحرب على تخوم الشرق وعمقه، حرب مقدسة مثلما هي مشروع تجاري، هي مقدسة تردد صدى مقولات البابا (أوربان الثاني) وهو يحرض الناس هناك على غزو الشرق في أول صياغة مكشوفة للحروب الاستعمارية، وعين ذلك البابا ورهطه (مركز السلطة) على ثروة الشرق :(أذهبوا إلى القبر المقدس ـ القدس ـ لتحريره من رجس الكفار، وامتلكوا الأرض التي تفيض لبنا وعسلا) القصة، إذن، باللبن والعسل.
بالمقابل، هل كان هناك خواء في عقل الشرق ليحتذي بالخطاب الغربي ويقتبسه ليجعل منه بوصلة ومفردات عمل؟ إنها مقولة زائفة تلغي قروناً من حضارة زاهرة حيث شهد الشرق إنتاجاً إنسانياً مؤسساً في العلوم والفلسفة والرياضيات والفنون والطب والهندسة وغيرها، لكن قلب الشرق ومركزه واجه حملات عسكرية همجية ساحت من سهوب آسيا شرقاً، ومن أوربا غرباً، استهدفت كلها تقويض قلب الشرق بريادته الحضارية، فكان سقوط بغداد على يد التتار، ثم تكر مسبحة القرون ليتعرض القلب ثانية بعواصمه: دمشق وبغداد والقاهرة مثلما طال أطرافه في غرب الوطن الكبير، إلى استهداف غربي أحكم قبضته بوسائله المتطورة المتعددة، العسكرية والسياسية والنفسية، ليكون تابعا يدور في فلك مؤسساته الرأسمالية.
هذا كله مفهوم حتى صار من بديهيات صفحات التاريخ البعيد والمعاصر، لكن الأغرب هو ما يتمنطق به بعضهم تبنيا، واستجداء، وتملقاً يشوبه البله، بمخاطبة مؤسسات الغرب والاستنجاد بها باستحضار مقولاته بالعدل والمساواة لتطبيقها في سياساته خارج جغرافيته البشرية، متناسين أن تلك الصياغات هي حصرا لهم وليس للبرابرة(نحن).
قلب الشرق ليس عقيما في الفكر والتأسيسات الحضارية، أنه فقط مغيب يراد له أن يكون بلا عقل وتاريخ مؤسس ليبقى أسيرا في حدود القبول بواقع أليم ومصدرا للموارد، ومن ثم عليه أن يوقن بما يروجون له (بالواقعية) تلك المدرسة المخادعة التي تعني القبول بالخنوع لما هو كائن (سلطة القوة) ليديم الغرب سطوته وليبق الحال بؤسا مستداماً مسلطا على رقاب الشعوب.
لم يرتض العرب يوما بالاستكانة وقبول الأمر الواقع، فالوعي المقاوم، الأصيل، عبر عن نفسه بمشاهد خالدات، فكانت ثورة عرابي في مصر والخطابي في ريف المغرب، وعمر المختار في ليبيا، ومنصور باشا الأطرش في جبل العرب في سوريا، وثورة العشرين في العراق، إنها كانت تعبيرا نبيلا عن الوعي الشعبي الذي يختزن ذاكرة متصلة بتاريخه مثلما هي معاصرة في تعبيرها بثورة شباب العراق اليوم بتصديهم النادر والفريد للغزو الصفوي وحلفائه الصهاينة والغرب المخاتل المتواطئ.
ما الطريق الجديد إذن؟ ليس هناك من طريق سوى استمرار الثورة ومنطقها المتجذر، وهو ما تعبر عنه اليوم ثورة شباب العراق، برفض الاستكانة والاستهداف وخطاباتها الزائفة، وضرب تحالفاته (باباواته المستنسخة) وتعرية المسوغات المضللة ومقولاتها المسمومة.
الواقعية والقبول بما هو كائن ليس حلا، أنها تكريس لاستمرار البؤس المقترن بالنهب، الحل الجذري الوحيد تحققه الثورة مهما كانت كلفتها ما دامت غايتها استعادة عافية الذات، من دونها تسويغات خائبة وتناغم بائس مكشوف.

قيم الموضوع
(0 أصوات)