ardanlendeelitkufaruessvtr

التشكيلي ضياء العزاوي السائر في رؤياه

بقلم حميد سعيد تشرين1/أكتوير 12, 2019 103

التشكيلي ضياء العزاوي السائر في رؤياه
حميد سعيد
القارئ يمكنه حين ينتهي من قراءة الحوارات أن يتعرف بوضوح على الفنان وأن يرى بوضوح أفكاره ومحيطه الاجتماعي.
فنان قاده السؤال إلى الاختلاف
السائر في رؤياه، حوارات مع الفنان التشكيلي العراقي البارز ضياء العزاوي، أجراها وجمعها في كتاب، الشاعر والناقد الفني خضير الزيدي، وصدر عن مطابع دار الأديب في العاصمة الأردنية، عمان.
إن ضياء العزاوي، من جيل الستينات من أجيال التشكيليين في العراق، هذا الجيل الذي ضم مجموعة من الموهوبين الذين نجحوا بجدارة، ليس في التواصل مع جيل الرواد المؤسسين فحسب، بل أضاف بعضهم إلى التجربة التشكيلية في العراق، وهي بالغة التميز، إضافات في المنجز التشكيلي والفكر التشكيلي في آن واحد، ما لفت إليها الأنظار، وكان ضياء العزاوي من بين أكثر مبدعي جيله حضوراً، منذ بداياته الأولى، ليس في العراق فقط، بل في المحيط العربي، وأذكر أنني وصلت إلى المغرب في العام 1975 فوجدت اسمه متداولاً في الصحافة الثقافية وفي أوساط التشكيليين المغاربة، واستمعت من مثقفين مهتمين بالفن التشكيلي، إلى من يقول بتأثير العزاوي في بعض الرسامين الجدد، وإلى من يقول بتأثر الرسام محمد القاسمي به.
لا أريد أن أتجاوز في هذا الأمر ما استمعت إليه من أقوال الآخرين، إذ لا أدعي المقدرة على تأكيدها أو رفضها، وكان العزاوي على علاقة خاصة بمحمد القاسمي. وأذكر، وكان ذلك قبيل إقامة البينالي العربي الثاني في مدينة الرباط، أنه أقدم على رسم لوحة شارك فيها بجناح العراق في البينالي سالف الذكر، في مرسم محمد القاسمي الذي كان قريباً من بيتي في حي أكدال، وكنت حاضراً في بعض أوقات رسمها، وموضوعها المقاومة الفلسطينية، وحين عرضت في جناح العراق لفتت إليها الأنظار، وكان جناحاً استثنائياً سواء في أسماء الفنانين الذين عرضت أعمالهم أم في استثنائية الأعمال المعروضة.
في حفل الافتتاح، كنت أقف مع الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، واقترب ناقد بريطاني منه، بعد أن تجول في أجنحة المعرض، التي تمثل معظم الدول العربية إن لم أقل جميعها، وبدا لي يومها أن الناقد البريطاني على علاقة بجبرا، وقال: هذا ليس معرضا واحدا، بل معرضان، الأول هو ما ضمه جناح العراق، والثاني ما ضمته بقية الأجنحة، في إشارة منه إلى استثنائية أعمال الفنانين العراقيين وتميزها.
في تلك الأيام كنت قد انتهيت من كتابة قصيدتي “إشراقات” التي نشرت في ما بعد في مجموعتي الشعرية “حرائق الحضور” ولم أكن عازماً على نشرها، ولم أعد أتذكر كيف وصلت إلى العزاوي، مع أنني كنت ألتقيه خلال وجودنا معاً في المغرب، فنشرت القصيدة وكان قد رسمها على صفحة كاملة في العلم الثقافي، يعد الآن أقدم ملحق ثقافي في الصحافة العربية وأطولها تواصلاً، وما زلت أتساءل، هل هي أول قصيدة رسمها، أم سبق أن رسم قصائد أخرى غيرها؟
لقد وصفه الناقد خضير الزيدي بالقول: ضياء العزاوي، اسم فني من الجيل الستيني في العراق، حقق منذ ذلك التاريخ حتى هذه اللحظة، قدراً كبيراً من الأهمية الفنية، من خلال أطروحاته الفنية وتقنياته في الرسم والنحت وإنجاز المدونات التي تخص الشعر بصياغة جمالية تعبيرية، ولأن مكانته المميزة تحقق نجاحاً متواصلاً في هذا الزمن عبر اشتغالاته التي تركت آثارها في نفس كل من تابع تجربته.
دليل لطريق طويلة حافلة بمسرات المعرفة البصريةدليل لطريق طويلة حافلة بمسرات المعرفة البصرية
والزيدي يعده: أنموذجاً حيّاً للفنان الملتزم بخطاب الجمال والفكر والثراء الإنساني، وحاول في حواراته أن يوضح لمتذوقي فن العزاوي، كيف يفكر بمنجزه في الرسم، وكيف حقق حلمه، ولماذا اختلف مع آخرين من جيله ومن أجيال أخرى، وحاول الوقوف طويلاً عند نزعته التجريبية التي رافقته دائماً ولم تتوقف.
أما الناقد عمار داود فيحاول أن يقترب بالقارئ من قيمة كتاب “السائر في رؤياه، حوارات مع ضياء العزاوي” فيقول: ما جاء في هذا الكتاب من حوارات، لا تبدو أكثر من إضاءات، ستعجل في تعطش القارئ إلى المزيد من المعلومات، فليس هذا الكتاب تاريخاً ولا دراسة بالرغم من توفره على بعض نفحات من هذ وذاك، بل هو دليل لمن ستثار عنده أسئلة حين ينتهي من قراءته.
إنه دليل لطريق طويلة حافلة بمسرات المعرفة البصرية ومتعتها، فهو أشبه ما يكون بمجموعة علامات على تلك الطريق أو هو رسم سريع لجملة مسالكها وحدودها. وعندي إن هذا الكتاب أبعد بكثير عن هذا التواضع في وصفه، بل عما قال عنه الزيدي، وهو صاحب المشروع وواضع الأسئلة ولا أشك في أنه بذل جهداً عملياً ومعرفياً في مشروعه هذا، واستطاع أن ينفتح بالمتلقي على أمداء واسعة من تجربة التشكيلي ضياء العزاوي وهي تجربة كبيرة على صعيدي الزمن والإنجاز وعلى صعيدي البحث والإضافة.
بل لقد رأيت في ما افتتح به مشروعه، حيث أفصح عن خشية وشك وتردد، في أن ما نواه في حواراته مع ضياء العزاوي، مغامرة لا تخلو من غموض، والجلوس في محترف واسع يقود إلى حالة ذهول والتباس في محيط يزدحم بضروب من الفن، ينفتح على سؤال، أين وكيف تكون البداية؟
وفي حالة من الشك واليقين، عليه أن يبادر إلى جمع أوراقه واستحضار معارفه، ما رأى وما قرأ وما سمع، ليضعها في سياق أسئلة يطمح أن تكون الإجابات عنها، معرفة بالفنان وزمنه وفضائه الإبداعي والاجتماعي، بينما كانت نتيجة الحوارات، مهمة وكاشفة ومفيدة، أي على غير ما أحاط الزيدي من خشية وشك وتردد.
إذ يمكن للمتلقي حين الانتهاء من قراءة الحوارات، أن يتعرف بوضوح على الفنان، إنساناً ومبدعاً، وأن يرى بوضوح محيطيه الاجتماعي والمعرفي وأن يتعرف على مصادره الفكرية والجمالية وما اقترن بهما من مؤثرات، وما أفاد منه في دراسته الجامعية، حيث اختار قسم الآثار ومن ثم أفاد من تجربته الوظيفية حيث المؤثرات التراثية إذ عمل مدة سنتين مشرفاً على تهيئة متحف الأزياء، تنقل خلالهما في مناطق مختلفة من العراق فتعرف على الأزياء في مختلف البيئات وتعرف على الصناعات اليدوية، بأشكالها وألوانها ومصادرها التاريخية.
ثم كانت إقامته المبكرة خارج العراق وما منحته من فرص للمشاهدة والتأمل والحوار. وأفاد كذلك، كما يتضح ذلك من بعض إجاباته، من تجارب من سبقه ومن عاصره من الفنانين ومن طبيعة علاقاته بهم، سواء في حالة الاتفاق أم الاختلاف.
وقبل أن أنهي مقالتي، سأتوقف عند قضيتين إيجابيتين وردتا في الحوارات وتحسبان للعزاوي، الأولى، حين يقوده السؤال إلى حالة اختلاف عاشها مع الآخر، وجدته يكتم انفعالاته، إلا في حالات نادرة، ويحاول أن لا يغادر تماسكه وموضوعيته، والثانية، حين يقوده السؤال، إلى ما هو نظري، لا يعمم الأفكار التي يقول بها ولا يرتدي جلباب المنظرين، بل ظل يتحدث على امتداد الحوارات معه، عن وجهات نظر شخصية وقناعات ذاتية، سواء ارتضاها الآخر – المحاور أم تقاطع معها.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)