ardanlendeelitkufaruessvtr

الهجوم التركي وانعطافات واشنطن

بقلم سلام السعدي تشرين1/أكتوير 12, 2019 41

الهجوم التركي وانعطافات واشنطن
سلام السعدي
يرجح أن تكون الإدارة الأميركية قد وضعت قيوداً على العملية العسكرية التركية بما يتوافق مع رؤية الإدارة الأميركية التي لا تملك رؤية واضحة لما تريد ولكنها تعرف تماما ما لا تريد أن يحدث.
رعب تركي من القضية الكردية
منذ بدء الهجوم العسكري التركي على مناطق شمال سوريا، لم تتوقف الإدارة الأميركية عن توجيه الانتقادات لأنقرة. بل ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى حدود التهديد بإرسال قوات عسكرية أميركية لاستعادة الهدوء، أو بفرض عقوبات اقتصادية سوف “تدمر” الاقتصاد التركي على حد وصفه.
ولكن تبقى الحقيقة أن العملية العسكرية التركية ما كانت لتتم دون الموافقة الأميركية. بقيت أنقرة تهدد بهجوم من هذا النوع منذ نحو عامين دون التجرؤ على القيام به بسبب غياب الضوء الأخضر الأميركي. كيف يمكن تفسير السلوك الأميركي المتضارب؟
يذهب البعض في تفسير التناقضات في الموقف الأميركي إلى التركيز على شخص الرئيس دونالد ترامب. الأخير هو رجل أعمال متقلب المزاج وسريع الانفعال، وليس جديداً أن تصدر عنه قرارات مفاجئة لا تبدو مدروسة بالشكل الكافي. كما تعزز الخلافات الداخلية ضمن إدارته من إمكانية تذبذب السياسة الخارجية الأميركية، وهو ما بدا واضحاً للغاية في مسألة سحب القوات الأميركية من سوريا والتي شهدت انعطافات متكررة ومفاجئة كل عدة أشهر.
فبعد أقل من شهرين على إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، أن القوات الأميركية باقية لأمد غير محدد، أعلن ترامب، قبل بدء العملية العسكرية التركية بيوم واحد، سحب قواته من المناطق الحدودية مع تركيا فاتحاً الطريق أمام الأخيرة لشن هجومها.
الحقيقة أن القرار الأميركي برفع الحماية عن الأكراد السوريين ليس اعتباطياً وليس استمراراً لتقلبات الرئيس الأميركي. نجحت ضغوط وزارة الدفاع والاستخبارات الأميركيتين في إيقاف قرار ترامب بسحب القوات الأميركية بصورة تامة من سوريا، ولا تندرج العملية العسكرية الحالية والانسحاب الجزئي الأميركي ضمن الخلافات القديمة داخل الإدارة الأميركية. بل من المرجح أن تكون الإدارة الحالية قد وافقت بالإجماع على عملية عسكرية تركية محدودة وذلك لعدة أسباب.
يعتبر الوضع الحالي في شمال سوريا غير قابل للاستمرار بالنسبة إلى واشنطن. فمن ناحية أولى، تواجه قوات سوريا الديمقراطية إشكاليات كبيرة في السيطرة على تلك المناطق وإنشاء بنية حكومية تقدم الحد الأدنى من الخدمات.
وتتعزز تلك الصعوبات بسبب التوترات الإثنية في المنطقة التي تسيطر عليها القوات الكردية والتي تحتوي على أغلبية عربية مستبعدة من مراكز اتخاذ القرار. يدفع ذلك بقوات سوريا الديمقراطية إلى التركيز على الوضع الأمني بدلاً من الانشغال بالجانب الخدماتي والمعيشي لسكان تلك المناطق بما يوفر الحد الأدنى من الاستقرار.
ويأتي هوس تركيا ورعبها من المشروع الكردي ومحاولاتها منذ أكثر من عامين، القضاء عليه عبر الهجمات العسكرية المتقطعة ليزيد من توجس الإدارة الأميركية من إمكانية نجاح هذا المشروع على المدى المتوسط والطويل. دفعت تلك المخاوف بواشنطن إلى الضغط على الأكراد من أجل خوض مفاوضات غير مباشرة مع تركيا يقدمون فيها تنازلات من أجل إقامة “منطقة آمنة” ترضي الجانب التركي وتوفر استقرارا ثمينا للمناطق التي تحميها الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، يرجح أن تكون الإدارة الأميركية قد وضعت قيوداً على العملية العسكرية التركية بما يتوافق مع رؤية الإدارة الأميركية. لا تملك رؤية واضحة لما تريد ولكنها تعرف تماماً ما لا تريد أن يحدث. لا توافق الإدارة الأميركية على قيام كيان كردي مستقل في مناطق سيطرتها خصوصا أنها تضم أغلبية عربية ما يجعل الكيان الوليد محكوما بعدم الاستقرار.
ومن المرجح أن تكون قد نقلت رؤيتها تلك للقوات الكردية. في نفس الوقت لا توافق القوات الأميركية على سحق الأكراد، وهو أمر تسعى إليه كل من تركيا والنظام السوري. ترغب أميركا في رؤية القوات الكردية كلاعب رئيسي في مناطق شمال سوريا وفي مستقبل البلاد وقد وضعت ذلك كشرط أمام العملية التركية. يمكن تلمس ذلك من تصريحات أخيرة لمسؤول في الإدارة الأميركية حول عدم سماح بلاده لأنقرة بتخطي الخط الأحمر الذي وصفه بأنه “التطهير العرقي”.
كاتب فلسطيني سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)