ardanlendeelitkufaruessvtr

إلى اليسار در..

بقلم حكيم مرزوقي تشرين1/أكتوير 15, 2019 85

إلى اليسار در..
حكيم مرزوقي
لن يفوز اليسار بحقائب وزارية في الحكومة العتيدة، وسيكتفي مناضلوه ـ وضحاياه على حد سواء ـ بحقائبهم الرثة على أكتافهم وهي تضم بعض الكتب والجرائد، ودفاتر الشعر والأحلام المهترئة.
شارع اليسار في القرن المغدور عجّ واكتظّ بالجهلة
الهزائم المتتالية التي مُنيت بها القوى اليسارية في تونس أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، أطلقت العنان للنكات التي تُروى عن جماعة “الصفر فاصل”، كقولهم، في إشارة إلى نسب وأرقام تلك النتائج المخيبة، بأنهم فازوا بمقاعد عديدة، ولكن ليس تحت قبة البرلمان بل في الحانات، حيث تحتد النقاشات ويعلو الصراخ حول مصير البلاد، أمام زجاجات البيرة وتحت دخان السجائر.
نعم، لن يفوز اليسار بحقائب وزارية في الحكومة العتيدة، وسيكتفي مناضلوه ـ وضحاياه على حد سواء ـ بحقائبهم الرثة على أكتافهم وهي تضم بعض الكتب والجرائد، ودفاتر الشعر والأحلام المهترئة، ولكن هل تعود الأقلام إلى غمدها وتنحني الهامات تحت العتبات، ويذوي الساعد وترتخي القبضة وتنحلّ لتستحيل إلى راحة ممدودة أمام آكلي اللحوم البشرية؟
هل سيعتذر ثوريّو اليوم من الذين قلبوا بالأمس، الموائد في أحضانهم حين أرادوا افتراس أحلامهم، وهل منع هذا القرن الثوريين، حقّا، من دخول ناديه، وشطب أسماءهم من قائمة ضيوفه؟
صحيح أنّ شارع اليسار في القرن المغدور قد عجّ واكتظّ بالجهلة والانتهازيين والدهماء، وصحيح أنّ الباب فتح على مصراعيه لعديمي الموهبة وعشّاق القبح، فأقدم بعضهم على تلحين فقرة من “رأس المال” وتقديمها باسم الموسيقى، ولم يتوان آخر على اغتيال الشعر بالخطابات والشعارات. أقيمت المعارض للملصقات البلهاء في أروقة الفن التشكيلي، وأهدرت أموال لإنتاج مسرحيات وأفلام لا تقنع حتّى المعتوهين، واتّهم المتأنّق بالبرجوازية النتنة والنبيل الخلوق ببقايا الإقطاع و”الكمبرادور” والمنفتح المتعطّش للحوار بالليبراليّة المشبوهة، ومتقن اللّغات بالعمالة الواضحة، ولكن.. لا تنس أيّها القرن الذي سوف تدوم ولايته مئة عام أنّ سلفك قد أنجز أهمّ الثورات ـ عمّالية كانت أم رقميّة ـ واتّسع صدره لليمين واليسار وأنصت لفرانك سيناترا كما أنصت لجاك بريل ولعبدالوهّاب كما لسيّد درويش، وقرأ لهمنغواي كما لجورج أورويل، واحتفل بلوحتي “الغارنيكا” لبيكاسو، و”الصرخة” لمونش. وعرف اليمينيون قبل غيرهم، أيقونات قادمة من اليسار وأحبّوها وعلّقوها على صدور بيوتهم كما تفعل شعوب أميركا اللاتينية بصور قديسيها وقادة انتفاضاتها العمالية والفلاحية.
أطيل الآن النظر في صورتين معلقتين على جدار مقهى يرتاده المحسوبون على اليسار في تونس، أتفرس في ملامح الوجهين وهما يسموان فوق الضجيج والكلام، ويحافظان على نفس ذلك النقاء الثوري الذي كنا قرأنا عنه في الكتب، ونظنه في ساعات السأم مجرد حديث رومانسي.. إنهما صورتا المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد، وإلى جانبه صورة القائد الفلسطيني جورج حبش.
الأول تنضح نظرته وشاربه الكثيف، صدقا وطيبة وإيمانا بما كان يقول ويفعل، والثاني يطل برأس لم يعتم إلا بالشيب والأحلام الكبيرة.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)