ardanlendeelitkufaruessvtr

أدب ومكاشفة

   
أدب ومكاشفة
تيسير خلف
تفتقر السرديات العربية لأدب السيرة، وتشح المكتبات ودور النشر عن هذا النوع من الأدب، وثمة من يخلط بين أدب السيرة، والمذكرات التي اعتاد السياسيون أن يخطُّوها عند تقاعدهم المبكر أو المتأخر، لكي يبرروا سياساتهم ويروحوا لمواقفهم خلال فترة عملهم.
أدب السيرة ليس مرافعة للدفاع عن الذات في لحظة اتهام حتمية قد تلاحق أي شخص عمل بالشأن العام، ولا هو جردة حساب مع أحد.
هو أدب شائع جدا في الغرب، وخصوصا في الولايات المتحدة الأميركية، يقوم على فكرة المكاشفة في أقصى درجات تطرفها، وخصوصا ما يتعلق بالجوانب الشخصية لنجم معروف من نجوم المجتمع، أو حتى لإنسان عادي لا يميزه شيء سوى لونه أو طبقته الاجتماعية أو مجموعته العرقية.
فالمأثرة هنا ليست نجومية الشخص بل فرادة حالته، وشجاعته بالاعتراف، وقوله ما لا يجرؤ أحد غيره على قوله.
وربما يعود منشأ هذه الظاهرة، ليس إلى العقلية الاستهلاكية، أو الهوس الإعلاني أو النزعة الامتثالية، كما يرى نفر من علماء السوسيولوجيا والسيكولوجيا، وإنما هي أساس من أسس تكوين الذات الجمعية القائمة على مبدأ الاعتراف لمحو الذنوب.
فبعد لحظة الاعتراف الصادقة يتحرر الفرد من عقده وإحساسه بالذنب ليبدأ حياته من جديد متخففا من أثقال الماضي.
في المقابل، وبسبب مبدأ الاستتار في مجتمعاتنا، والذي ينهى عن المجاهرة بالمعاصي، لا يجرؤ الكثير من الكتاب على مقاربة هذا النوع من الأدب، خصوصاً، إن كان متعلقا بقضايا تلامس المحرمات، وهو ما أوجد ثغرة كبرى على امتداد خارطة الأدب العربي خلال عقود طويلة، يحاول الآن الكثير من الكتاب ملأها دفعة واحدة، بنصوص تتخذ من المكاشفات الجنسية سبيلا لهذا التعويض، ولذلك فالكثير مما يكتب الآن حول هذه الموضوعة يفتقر إلى الأصالة والصدق، الواجب توفرهما في هذا النوع من الأدب.
وهنا، يطرح سؤال جدي: ما الذي جعل سيرة محمد شكري “الخبز الحافي” تحظى بهذه المكانة المتفردة في الأدب العربي المعاصر؟
والإجابات كثيرة، فبعضها يتعلق بالمضمون الجديد الذي قبض عليه شكري، والمتمثل في كشف أسرار القاع المغربي، والذي لم يشكل في ما مضى عالما يحظى باهتمام الكتاب والنقاد، المنشغلين بطبقة الانتلجنسيا والمثقف الثوري والبطل الإيجابي خلال عقدي الستينات والسبعينات، والبعض الآخر المتعلق بكسر القوالب الجامدة في الكتابة، والتخلص من الموروث اللغوي التقليدي الذي وضعت فيه غالبية التصانيف الأدبية! ولكن أحدا من النقاد لم يعز هذا الرواج إلى الصدق والشجاعة غير المحدودة في المكاشفة، حتى وإن كانت تصل إلى أكثر المواقف مدعاة للحرج
وفي هذا السياق يأتي نص حسين البرغوثي “الضوء الأزرق” الذي قارب المكاشفة من زاوية أخرى لم تلامس القضايا الحميمية، بل ركزت بؤرتها على الأفكار والقضايا الكبرى المجردة من هالة القداسة المحيطة بها، وهي شجاعة أخرى لا تقل عن شجاعة محمد شكري، في مجتمع يتنفس الأيديولوجيا والشعارات السياسية، كما يتنفس الهواء.
يحتاج أدب السيرة إلى ثورات اجتماعية وفكرية متعددة الطبقات، فهو مؤشر مهم من مؤشرات نضوج المجتمعات وقدرتها على تجديد ذاتها وتجاوز أزماتها، في عصر خطير بتحولاته على المستويات كافة.
كاتب من سوريا
   


سراب/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)