ardanlendeelitkufaruessvtr

بريطانيا.. أم المعارك السياسية

بقلم بهاء العوام تشرين1/أكتوير 19, 2019 110

 

بريطانيا.. أم المعارك السياسية
بهاء العوام
لا يعاني حزب العمال وحده من هذا الانقسام بين مؤيد ورافض للخروج، فهذا الوباء إن جاز التعبير، قد ألم بجميع الأحزاب السياسية والفعاليات المجتمعية والمناطق والعائلات في بريطانيا.
بانتظار أم المعارك
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يقول إنه أبرم اتفاقا عظيما بشأن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي. ربما تكمن العظمة في إنجاز الاتفاق وليس في مضمونه، ذلك لأن استحالة ولادة هذا الاتفاق هي ما راهن عليه الجميع منذ وصول جونسون إلى السلطة قبل أشهر قليلة. حينها كانت بروكسل ترفض إعادة التفاوض مع لندن، وتعتبر الاتفاق الذي أبرمته مع رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي هو أفضل الخيارات.
لم يصنع جونسون اتفاقا مختلفا عن اتفاق ماي إلا في بعض التفاصيل، وتحديدا في ما يتعلق بشبكة الأمان للحدود بين جمهورية إيرلندا وإيرلندا الشمالية. هذه الشبكة كانت العقدة التي أفشلت ماي وأوصلتها إلى الاستقالة، ولكن يبدو أن جونسون أعاد صياغتها بما يحقق الحد الأدنى من المنفعة لجميع الأطراف المعنية. فهل يؤدي ذلك بالضرورة إلى موافقة البرلمان البريطاني على الاتفاق الجديد؟
حزب العمال المعارض، صاحب ثاني أكبر كتلة برلمانية بعد حزب المحافظين الحاكم، أعلن رفضه للاتفاق. كذلك حال الحزب الوحدوي الإيرلندي، حليف المحافظين في الحكومة. وإذا أضفنا للعمال والإيرلنديين الحزب القومي الإسكتلندي وحزب الليبراليين الديمقراطيين، تصبح الكتلة المعارضة لاتفاق جونسون تزيد على ثلاثمئة وثلاثين نائبا مقابل أقل من ثلاثمئة نائب في صفوف المحافظين.
نظريا، يفوق عدد النواب المعارضين لجونسون عدد المؤيدين له، ولكن المعايير ربما تتغير عندما تحين ساعة التصويت على الاتفاق الجديد. ثمة بعض مواطن القوة التي يستند إليها رئيس الوزراء وتمنحه الثقة بأنه سيفوز بتمرير الاتفاق في البرلمان. جونسون يعتقد أن أكثر من نصف عدد المشرعين سيصوتون لصالح الاتفاق الجديد، وسيتحول الخروج إلى واقع ملموس في نهاية الشهر الجاري، كما هو مقرر له.
أولى نقاط القوة التي يستند إليها جونسون هي وجود رغبة حقيقية لدى الأوروبيين في عدم تمديد موعد الخروج. وبالتالي ربما يجد مجلس العموم نفسه أمام خيارين يتيمين، إما القبول بصفقة جونسون الجديدة وإما دفع البلاد نحو الخروج دون اتفاق. هنا لن يفيد المعارضة البريطانية قانون حظر انفصال لندن وبروكسل دون اتفاق الذي أقره مجلس العموم مطلع الشهر الماضي، وذلك لأن رفض التمديد سيأتي من قبل الاتحاد الأوروبي وليس من الحكومة البريطانية.
يعرف جونسون أن العشرات من نواب حزب العمال يتطلعون إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو يراهن على أن عددا من هؤلاء قد يصوت لصالح اتفاقه الجديد مع بروكسل. في الحقيقة لا يعاني حزب العمال وحده من هذا الانقسام بين مؤيد ورافض للخروج، فهذا الوباء إن جاز التعبير، قد ألم بجميع الأحزاب السياسية والفعاليات المجتمعية والمناطق والعائلات في بريطانيا. ولعل رئيس الوزراء يأمل في أن يلعب هذا الانقسام دورا في تغليب كفة المؤيدين للاتفاق على الرافضين له هذه المرة.
وبعيدا عن أحزاب المعارضة في البرلمان، ثمة فرصة للتسوية بين جونسون والنواب المحافظين الذين طردوا من الحزب، بعد أن تمردوا على رئيس الوزراء وصوتوا لصالح قانون حظر الخروج دون اتفاق. إذا استطاع زعيم المحافظين إقناع هؤلاء النواب بدعم الاتفاق مقابل عودتهم إلى صفوف الحزب، فهذا يعني ضمان أكثر من ثلاثمئة وعشرة أصوات برلمانية لصالح الاتفاق، وما تبقى ربما يأتي من أحزاب ترفض الاتفاق حاليا ولكنها قد تغير رأيها عند التصويت.
الحزب الوحدوي الإيرلندي أول الأحزاب الذي قد يتراجع عن رفضه للصفقة، وخاصة إذا كان البديل هو وصول حزب العمال إلى السلطة أو طلاق لندن وبروكسل دون اتفاق. ليس الإيرلنديون وحدهم من يرفض وصول العمال إلى رئاسة الحكومة، ولذلك قد تحدث اختراقات في صفوف الأحزاب الأخرى المعارضة للخروج وللعمال في الوقت ذاته، هذا ما يأمله جونسون على الأقل، ولكن ليس بالضرورة أن يتحقق.
رفض البرلمان لاتفاق جونسون يعني تمديد الخروج والذهاب لانتخابات عامة مبكرة. لا يمكن تبسيط المسألة على هذا النحو، لأن تداعيات هذا السيناريو ستكون كبيرة جدا على البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. فقد بات حسم ملف بريكست حاجة ملحة في المملكة المتحدة وفي الاتحاد الأوروبي عموما، ولكن البريطانيين هم الأكثر تضررا من هذا العصاب الذي يسيطر على بلادهم منذ استفتاء الخروج عام 2016.
ولا شك أن بريطانيا تحتاج إلى انتخابات عامة مبكرة ولكن بعد إنجاز الخروج. فتكون المهمة الأولى لأي حكومة جديدة هي إعادة ترميم البلاد بعد الخراب الذي طالها خلال السنوات الثلاث الماضية. وهو ما يتطلب بشكل أساسي فتح أبواب المملكة أمام سلسلة من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والأمنية والسياسية، التي تعوض غياب الاتحاد الأوروبي كشريك أساسي وداعم كبير في مجالات الحياة كافة.
جلسة البرلمان المخصصة للتصويت على اتفاق الخروج الجديد، ستشهد أم المعارك السياسية في بريطانيا. لن تكون المواجهة فيها بين أحزاب البرلمان وإنما بين المؤيدين والرافضين للخروج. هي المعركة الأخيرة بين الطرفين في الحرب التي بدأت قبل ثلاث سنوات. إن ظفر معسكر الخروج ستبدأ البلاد مرحلة جديدة في تاريخها، وإن كسب البقائيون فإن المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، ستدخل في نفق مظلم قد يستمر لعقد أو أكثر، ولا أحد يعلم متى سينتهي مسلسل بريكست الممل.
صحافي سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)