ardanlendeelitkufaruessvtr

"حبة الغلة" موت رخيص

بقلم رابعة الختام تشرين1/أكتوير 29, 2019 176

"حبة الغلة" موت رخيص
رابعة الختام
ثمة خلخلة في غريزة التمسك بالحياة وحبها لدى الشباب. هذا الإقبال على التخلص من الحياة وإنهاء العمر يشير إلى تحولات مجتمعية واستجابات لدعوات التقليد الأعمى بين مراهقين في فئة عمرية حرجة.
حبوب الغلة.. انتحار ريفي بامتياز
مازال الريف المصري يحتفظ بعادات وتقاليد لم يستطع الزمن العبث بها، شهامة ونخوة، وتمسك بالدين، وسلامة العقيدة، والحفاظ على القيم والمبادئ، بما يفوق الخيال. يراهن كثيرون على أهل الريف أنهم الحصن الباقي لسلوكيات وقيم تلملم بقاياها من بعض مناطق الحضر.
ثمة تحول جذري في كافة فئات المجتمع وطبقاته، خلخلة مستحقة كردة فعل واجبة الحدوث في بعض محافظات وقرى الريف، كنتيجة حتمية للتواصل الاجتماعي والثقافي والتكنولوجي، الذي صار أكثر يسرا، والتقارب مع كافة الحضارات والثقافات، فباتت بعض السلوكيات تتسرب إليهم رويدا رويدا.
انتحر عدد من الشباب والمراهقين في ريف مصر بتناول “حبوب الغلال”، المخصصة للقضاء على تسوس القمح والغلال بالحشرات والديدان، وآفات الحبوب والحاصلات الزراعية.
في محافظة زوجي بدلتا مصر والمشهورة بجمال فتياتها زادت حالات الوفاة باستخدام حبة الغلة القاتلة، في بيئة توصف بكونها محافظة للغاية، وينعت الانتحار فيها بالكفر، حالات عديدة، حتى أن فتاتين توأما تناولتا الحبة القاتلة معا، لقت إحداهما حتفها في الحال، وبقيت الأخرى تقاوم خاصة وأن إسعافها تم سريعا، ويخشى عليها من اللحاق بتوأمها، في حالة تعد نادرة. أكتب هذه الكلمات والفتاة في غرفة الرعاية المركزة وربما تفصلها عن الموت لحظات كما يؤكد الأطباء المتابعين للحالة، إلا إذا حدثت معجزة من السماء.
ثمة خلخلة في غريزة التمسك بالحياة وحبها لدى الشباب. هذا الإقبال على التخلص من الحياة وإنهاء العمر يشير إلى تحولات مجتمعية واستجابات لدعوات التقليد الأعمى بين مراهقين في فئة عمرية حرجة.
تتزايد حالات الانتحار بشكل مخيف، ويعود بعضها إلى تصاعد وتيرة الضغوط الحياتية، وإخفاق في تحقيق الأحلام الوردية، وفشل علاقات عاطفية، ظروف أسرية شديدة الضبابية أدت إلى حدوث حالات من الفرقة والطلاق الصامت بين الأبوين، ولجوء بعض الأزواج إلى تعدد زوجات غير مبرر.
فينشغل الرجل بزوجته الجديدة أو زوجاته متناسيا تفقّد أحوال أبنائه ومصادقتهم في سن حرجة، يفتقدون فيها للقدوة الحسنة، ما يدفعهم إلى البحث عن الحب والحنان والاهتمام خارج إطار الأسرة، مع انحلال علاقة هؤلاء الشباب بالسماء.
انتشر بين الشباب اسم حركي سري لها “حبوب الضربة القاضية” لسرعة قضائها على المتعاطين، وأقل عنفا في التخلص من الحياة كونها شديدة الخطورة والسمية، خاصة مع عدم وجود علاج فعال ولا ترياق للاستشفاء من آثارها، يطلق عليها الشباب “حبوب الانتحار الرخيص”، فهي تباع بكل يسر وسهولة في محلات المبيدات الزراعية بجنيه واحد فقط.
رصدت اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات تزايد معدلات الانتحار بين شباب ومراهقين مصريين بعد أن وصلت معدلات الانتحار في العام المنصرم بين الشباب إلى 150 حالة، في حين تضع منظمة الصحة العالمية مصر في المركز 96 عالميا في حالات الانتحار بتسجيلها 4200 حالة سنويا.
اللافت في الأمر أن وسائل الانتحار العنيفة من نصيب الرجال، في حين تميل نساء وفتيات إلى طرق انتحار أقل عنفا، كتناول الحبوب المخدرة بكميات كبيرة، أما حبوب الغلة فهي انتحار ريفي بامتياز.
قصت عليّ فتيات صديقات لمنتحرات أن إقبالهن على الانتحار باستخدام حبة الغلة السامة، المستخدمة في الزراعة لمواجهة تسوس القمح، بسبب سهولة الحصول عليها، ورخص ثمنها، وفعاليتها السريعة في انفجار جميع الخلايا والشرايين، وتعطل كافة أجهزة الجسم.
كلمات فتاة على شفا الموت توضح السبب الحقيقي وراء الانتحار، “كانت رغبتي في لفت الأنظار والحصول على المزيد من الاهتمام من قبل أهلي في ظل انفصال والدي ووالدتي وعدم الاهتمام بي ورعايتي، لا أجد دعما نفسيا في كافة لحظات حياتي وإخفاقاتي. لا أريد الموت، فقط أقول لهم أنا موجودة، من يشعر بي؟”.
بعض روايات اللحظات الأخيرة للمنتحرين مرعبة، تثير الحزن والشفقة، والتي يقصها الأهل والأطباء والمتابعون والمرافقون لهم، فإحداهن تناولت الحبة الملعونة اعتراضا على رفض أهلها إتمام زيجتها بحبيبها بعد ارتباط وخطبة داما عاما، وحين علم حبيبها بالوفاة، تناول هو الآخر الحبة المميتة، أنهى حياته في اللحظة.
أحلم بعد اقترابي من أسر المنتحرات بتكاتف مجتمعي يحفظ عقولا مازالت طفلة، وقلوبا يقتلها التجاهل والإهمال.
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)