ardanlendeelitkufaruessvtr

انت عراقي ، انت حضارة

بقلم افياء امين الاسدي تشرين2/نوفمبر 09, 2019 64

 

افياء امين الاسدي

نعم ، في أوائل اكتوبر ٢٠١٩ قامت ثورتنا في العراق ، ثورة سلمية ، لم يتفق أحد عليها كما تتفقون على ايذائنا، خرج الناس كلّ من منزله مقررا الذهاب الى ساحة التحرير و الحج عند نصب الحرية مطالبا بحقه جازعا من سوء الخدمات و البطالة و منقرفا من تدخل الدول التي تشتريكم ولم تنجح في شراء ضمائرنا الحية .
و منذ اليوم الأول لقيام هذه الثورة ، قامت القيامة معها ، احترتم يا حكومتنا العراقية كيف تكتموننا ، قتلتم المتظاهرين العزّل الا من العلم ، و لاحقتم الناشطين السلميين و الأطباء و المسعفين بقوائم تهديد لابتزازهم -و لا حاجة ان اذكّركم أنكم لم تنجحوا في ذلك- ثم أعدمتم في الساحة قاصرين و يافعين و كبارا و صغارا بلا أي حرمة أو شيمة أصيلة ، فعلتم كل ذلك بيد أقذر ما رأت البشرية ، و هم قوات مكافحة الشغب و الذين نعلم أنهم ليسوا عراقيين ، كانت وجوههم سوداء مثل ملابسهم ، و كانت جسومهم نتنة لم يمر بها دجلة و لم تمطر عليها محنّة عراقية يوما ، و لم يذوقوا تمرا عراقيا ، كانوا بشعين لدرجة انهم يعبّئون السلاح فقط ليطلقوه ، و ينظفونه من التراب فقط ليغسلوه بالدم العراقي الحر ، وجوههم كوجوه الثعابين و سوادهم مثلكم، مثل حكومة عراقية.
و مع استمرار ثورة الاحرار بدأت اعداد المتظاهرين تزداد يوما بعد يوم كأرض صالحة للزراعة ، ان رميت بها بذرة واحدة تُنبت لك عشرة ، و كلما ازدادت الخطى على الأرصفة كلما زاد القمع وحشية حتى اصبح بقذائف الغاز المسيّلة للدموع و التي ان لم يقتل غازها فإن القذيفة تستقر في رأس متظاهر كأنها تأخذ ثأرا شخصيا منه .
أصبحت هذه القنابل تسلية المتظاهرين فيما بعد ، فمارسنا معها لعبة التنس مرة و ركضنا وراءها بالأغطية مرة حتى أن احدهم قلبها و وضعها في فمه متبخرة و هو يواجه الموت شرط ان يثبت قضيته الحقة و هي ان تستقيل الحكومة، و تستمر بحكومة تصريف الأعمال ويتم تشريع قانون انتخابات جديد بدوائر متعددة وتمنح فرصة الفوز للأحزاب الصغيرة او الاشخاص الطبيعيين،و اختيار مفوضية انتخابات جديدة مستقلة بإشراف اممي تابعة للوطن وليس للاحزاب، و حل مجلس النواب وهي ابسط حقوق المواطن العراقي الذي شاف الويلات.
استشهد في هذه المظاهرات حتى اليوم في بغداد اكثر من ٣٠٠ شاب جاء ليقول (اريد وطنا) ، و العشرات في البصرة و الناصرية و ميسان و كربلاء و في كل مكان قال "لا" ، هل اصبح حب الوطن آلان جناية عسكرية يُعدم فيها الشباب المسالم تحت اي حجة و لو كان يحمل لوحا من الحلوى؟ هل يُقمع بالعنف و بالرصاص الحي و المطاطي و ثم (الصجم) المستورد من إيران كما حصل في البصرة التي لم تعد مستشفياتها تستوعب جرحاها؟!
من رأى من قبل مدينة في مظاهرة سلمية تعبر الصواريخ فوق رأسها لتستقر في النهر الذي تحبه، يحصل هذا في بغداد كل يوم ، فقط لانها تريد ان تعيش؟ رأينا حروبا كثيرة يموت فيها الناس من حولنا ، لكنهم لم يُقتلوا بأيادي حكومتهم ، ان قتلتمونا جميعا ، فمن ستحكمون ؟ و هل ستكون السلطة وقتها ذات معنى ؟!.
لم يسمع احد عن حقد و كراهية من هذا النوع قبلا ، و وصل حقدكم ان تتلفوا املاك الدولة بايديكم لتتهمونا بـ(منجنيق) العصور السحيقة ، فحميناها منكم و حرسناها بسهرنا و بردنا .
مئات من الشهداء ، آلاف من الجرحى، عشرات من المفقودين و المخطوفين تحت تسمية (الاعتقال) ، لم يكن لهم ذنب سوى أنهم أرادوا وطنا لا تحصل فيه كل هذه المشاهد الهوليوودية المفتقرة للإنسانية و الضمير الحي و المنطق السليم .
حتى ان الوقاحة وصلت بكم الى محاولة تأليب بعضنا على بعض و زرع مندسين بيننا ليختطفوننا او ليحرضوننا على كسر سلميتنا لنعطيكم حججا على طبق من بارود فلم تنجحوا ، وصلت وقاحتكم الى قطعنا عن العالم ، فصلنا عن المجتمع الدولي و نحن جزء من هذه الكرة الزرقاء ، وصل بكم الحال ان تقطعوا على شعب بأكمله شبكة الإنترنت لتمارسوا خساستكم في الظلام ، لا تقلقوا ، لقد فشلت هذه الخطة الصفيقة أيضا و العالم يعرف كل شيئ عنكم ، لستم اكثر من شيئ على كرسي ، الكرسي الذي استمد قوته من شرعيتنا و وجودنا ولا معنى له دوننا .
لذلك ، ستستمر هذه الثورة ، لن نتنازل عن حق الدماء التي سالت بيننا ، لكي لا يموت احد وهو يتحدث ، لكي لا يموت طبيب و هو يحاول إنقاذ جريح برصاصة قميئ متعطش للدماء ، كي لا يقتل أحد -مرة اخرى- صديقي الذي قُتل بدم بارد قبل ايام ، لأعيد حقه ، و حقي ، و دمه و دمعي .
نريد وطنا نعيش فيه بكرامة ، وطنا لا يُكتب في ظهر جوازه (سيحاسب كل من يفقد هذا الجواز ) بل يُكتب (هذا عراقي ، أنت في حضرة حضارة).
هذه الثورة سلاحها الماء و القطن مقابل رصاص معدنيّ بسرعة الضوء ، و كمامة بسيطة تجعلنا نشعر بالأمان رغم انها لا تعمل في اغلب الأحيان ، و صوت لا يعرف غير الغناء و البكاء .
هذه أسلحتنا و هذه كلمتنا و هذا حقنا و نحن نقف على ارضنا ولا نريدكم ، لستم اسيادنا ولا سيد لنا الّا الدماء التي سالت بين يدينا و على ملابسنا باسلحة عبّأتموها بيديكم و اطلقتموها باوامر من اسيادكم المسمومين الفرس ، جيران جيوبكم المهووسة بالمال و السلطة و السكين .
ستستمر هذه الثورة حتى تحقيق مطالبنا و ستبقى هذه الثورة سلمية مثلنا مهما حاولتم جرّنا الى مستنقعكم النتن ، ان قطعتم لنا إصبعاً ستحضر عشر كفوف في ساحة التحرير ، قمعكم لن يجلب لكم سوى المزيد من التحليلات و التصريحات المرائية و التي لا تقنع طفلا بكرة قدم جديدة تشتريها له غدا ، في حين أن إرهابكم لن يجلب لنا سوى المزيد من الأصوات الصادحة برحيلكم و تمسكا اكبر بهذا التراب الذي عليه ولِدنا و مشينا و سننتصر أو نموت و نحن نحاول .
هل هذا (لاسيما العنف المفرط) يا سيادة المرجعية؟!
نحن الحضارة ، فمن أنتم؟

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)