ardanlendeelitkufaruessvtr

كم من هيثم حولنا

بقلم رابعة الختام تشرين2/نوفمبر 12, 2019 126

كم من هيثم حولنا
رابعة الختام
كثيرون هم من يشبهون هيثم ونحن لا نراهم، من الأهل والأقارب والأصدقاء، رفقاء في زوايا مختلفة من الحياة، لا نشعر بهم إلا إذا انتقلوا إلى خانة الأموات.
الراحلون لا تعيدهم الدموع
استيقظتُ على فاجعة رحيله، لم أنتبه للعمر الباكر الذي فارق فيه وهو ما زال على مشارف الحياة الزوجية، لم يخط خطوات واسعة بعد، ولم يدخلها، أعزب ارتبط بحبيبته مؤخرا، على حافة العمر، على زاوية منفرجة من العمل والفن والنجاحات، ولم أعر اهتماما كونه ابن فنان هو علامة فارقة من علامات الفن المصري، ولا علاقة عمل وحوار وحيد ربطني بأبيه الراحل.
حتى أمه الرقيقة التي كانت تشبه قطرة الندى الشفيفة على أطراف أوراق الأشجار ليست هي من حركت قلبي، وعَصرت مقلتيّ لتلقيا بدموع غزيرة على الشاب الذي رحل على عجل.
لن أبكي الشاب بكلمات محزنة، مؤثرة، لن أقول لكم كم عانى من الوحدة والحزن وأنه ارتدى ثوب الموت الأبيض “الكفن” عوضا عن ثوب الفرح، لم تخضب أمه يديها بالحناء فرحا بفلذة كبدها الوحيد، ولم يوزع الأب الراحل أيضا كؤوس الشراب الوردي إبتهاجا بولده.
أحزنني في قصة رحيل الفنان الشاب هيثم أحمد زكي، ذلك الشجن الخفي في وحدته، تلك الدموع الحبيسة في عينيه دائما، والقابلة للسقوط من أقرب استدعاء للشعور الخفي الذي يسكنه منذ زمن.
الظلم الطافح الذي تعرض له فقط لأنه ابن فنان بقيمة وقامة وشهرة أحمد زكي، هذا الضغط النفسي والابتزاز العاطفي الذي مورس ضده في كل لحظة من لحظات حياته، منذ كان شابا في عقده الثاني فقد والده ومن قبله والدته، وفقد عائلته كاملة.
هيثم الذي لم يدخل مجال الفن بالواسطة والمحسوبية، ولم يدخله في حياة أبيه لنتّهمه بكونه “مصنوعا” وإنما استكمل ما تبقى من مشاهد لم ينجزها زكي قبل رحيله، تعرض الشاب لكمّ هائل من الضغوطات النفسية وقدر كبير من السخرية والتهكم، تنمّر به مجتمع بأكمله، وحين مات، تجمع حوله كثيرون. لن أبالغ وأقول إن من صحبه إلى مثواه الأخير ناهز العدد المتنمّر به، لكنه تحول بالموت إلى ترند في مصر والعالم العربي، ضجت نوافذ العالم الافتراضي باسمه.
كما هاجموه بشراسة، بكوه ونعوه بذات القدر من الشراسة والقوة، بنفس درجة الفعل في إيذائه النفسي حين خطا خطواته الأولى في الفن، جاء رد الفعل على وفاته المبكرة ورحيله العاجل، لم ينظر أحد كونه فنانا استثنائيا بامتياز، بدأ مشواره الفني بعد رحيل والديه وجميع من يفترض بهم أن يمدّوا له يد العون من أهله وأقاربه واستطاع في هذه السنوات القليلة أن يحفر اسمه بشكل استثنائي.
كم من هيثم حولنا يبكي في صمت ويعاني من القسوة والإهمال، نضغط على جروحه بدم بارد ثم نضحك على بكائه كثيرا، ولا تستفيق ضمائرنا إلّا عند الرحيل؟
نبكي أناسا راحلين، لكنهم حين كانوا ملء السمع والأبصار، كنا نتجاهلهم بقسوة نادرة. كان لنا في الطفولة جار نحيف للغاية ولا يعرف سر نحافته، هجرته زوجته قبل سنوات من رحيله، ظل الرجل حبيس منزله سبع سنوات كاملة، يختبئ من أطفال يقذفونه بالحجارة حين يخرج إلى الشارع، عرج شديد في قدمه اليسرى، ينادونه يا “أعرج”، يتذمّر قليلا، ثم ينسحب لداخل بيته ثانية دون أن يردّ الأذى بأذى مماثل.
بعض بقع قشرية حرشفية تشوّه أماكن متفرقة من جسده ووجهه، ومرض غريب يهاجم الرجل، لكن لا أحد يشعر به، ظل على هذه الحال سنوات عديدة يتجرع الألم وحده، يبتلع المرارة والدموع.
وذات نهار باهت لم تعد ذاكرتي تحمل منه سوى صورة ضبابية، علم الجيران بخبر وفاته من رائحة منبعثة من داره، وقطة وفية، ظلت ترافقه دون ملل.
جاءت الزوجة تبكيه، وفي الحقيقة هي تبحث عمّا خلف من ميراث تستطيع الاستيلاء عليه هو الآخر، دموعها كاذبة ونواحها مصطنع، كانت صادقة فقط حين قالت: كان رجلا محترما، لم يؤذني يوما، حتى مرضه لم يتذمر منه، صبر على أذى كثيرين له، وظلّ يردّد الحمد لله.
كنت حينها طفلة لم أستطع لحظتها تفسير ما حدث، ولا ربط الأحداث وتحليل النتائج، واستخلاص الحكمة كما أفعل الآن، لكنني حين قفزت هذه الواقعة إلى ذهني وأيقظ تفاصيلها الغائمة موت الفنان الشاب، أقول إننا نملك غلظة فظيعة، بداخلنا قسوة، ودائما ننتظر الموت لنتصالح مع الطيبين.
كثيرون هم من يشبهون هيثم ونحن لا نراهم، من الأهل والأقارب والأصدقاء، رفقاء في أماكن عديدة وزوايا مختلفة من الحياة، لا نشعر بهم إلا إذا انتقلوا إلى خانة الأموات.
ليتنا نعيد النظر في علاقتنا بالبعض ونتصالح مع من أغضبناهم يوما أو قسونا عليهم، أو نكفّ عن ادّعاء الحزن عليهم بعد موتهم، فهذا ما أسميه حزنَ رقيع به ميوعة، الراحلون لا تعيدهم الدموع.
كاتبة من مصر

قيم الموضوع
(0 أصوات)