ardanlendeelitkufaruessvtr

إيمان والجهادي جون

   
إيمان والجهادي جون
كافي علي
هل قرار المسلم بالهروب من جحيم الحرب يكفي للهجرة وطلب اللجوء؟ ماذا عن ضرورة الوعي المنفتح ومرونة المعرفة اللذين يمكّنانه من الاندماج في المجتمع الغربي، ويحفظان أبناءه من الضياع بين ثقافتين متصادمتين؟
كثيرون يسألون عن طرق الهجرة واللجوء، ولا أحد يسأل كيف سيعيش في الغرب.
الغرب ليس المكان المثالي للمنغلقين على ثقافتهم، أو الذين يمارسون خدعة الازدواجية بين ثقافتين مختلفتين. هو المكان المثالي للصادقين مع أنفسهم قبل الآخرين، هؤلاء الذين بإمكانهم خلق علاقة توافق بين الثقافة الغربية وثقافتهم الأم. ألا تكون استعراضيا لثقافتك، وألا تنتقص منها، وفي نفس الوقت، لا تنتقد الثقافة الغربية ولا تشعر بالدونية تجاهها.
معادلة قد تبدو معقدة، ولكنها ضرورية لسد الفراغ الشاسع بين الحركة الموضعية للثقافة الشرقية، وبين ما تقطعه الثقافة الغربية بسرعة جنونية.
كنت محظوظة لأني وصلت إلى كندا في عمر مناسب منحني ما يكفي من المرونة لتقبل فكرة البداية من الصفر، ولأني هاجرت بحثا عن الحرية الفكرية لا الأمان، تمكنت من اختراق المجتمع الكندي والانسجام معه لا الانصهار به.
عشت الحياة الأكاديمية والمهنية الكندية بتفاصيلها، وأقول الكندية لأن هناك مجتمعات مغلقة تتأسس تلقائيا، ليعيش فيها المهاجرون من الجيل الأول تفاصيل حياتهم في بلادهم، ثم يفرضونها على أطفالهم لتكون المؤشر على ضياعهم بين ثقافتين.
دخلت الثانوية لتحديث معلوماتي العلمية في مدرسة كاثوليكية، وكانت خليطا من الكنديين، وغالبا من الجيل الثاني من المهاجرين الذين لا تربطهم بثقافة أهلهم غير أسمائهم.
في المدرسة الكندية، ليس هناك ما يدعو إلى التعجب إذا وقفت الطالبة الشقراء هولي بعد انتهاء الفصل، تسأل عن الراغب بمرافقتها إلى البيت لأنها بحاجة إلى رفيق في هذا اليوم. ولا تثير الاستهجان حيرة الطالب شأين من سلوك عشيقته المسلمة من أصول صومالية لأنها تركته بسبب رفضه الزواج منها، شأين لا يفهم الاختلاف بين العشق والزواج.
أما إذا عرض عليك أحدهم شراء الحشيشة فلا تحتاج أكثر من الإيجابة بالرفض أو القبول. رؤية فتاتين تقبل إحداهن الأخرى بشغف يفوق شغف القبلة بين رجل وامرأة، أو صبيين في نفس الحالة مشهد مألوف.
أما فن الإصغاء لحديث فتاة من سكان كندا الأصليين عن مشكلتها مع أهلها بسبب إصرارها على الاحتفاظ بعذريتها، فيحتاج إلى شيء من التعاطف معها.
الأكثر من هذا حاجة المسلم لتقبل ظواهر المجتمع الغربي التي لا تنسجم مع شريعته وعاداته وتقاليده حتى مع أفراد أسرته. عليه أن يفهم بأن تلك الظواهر ليست نتيجة لضعف القيم الأخلاقية وهزيمتها أمام الرغبات الجسدية، لأن تلبية الرغبات الجسدية في مجتمعه الجديد ليست لها علاقة بالحرام والحلال أو الشرف والأخلاق، بل بالملكية الخاصة وواجب احترامها والحفاظ عليها.
في الغرب الجسد ملك الفرد لا الدين والأخلاق، نتيجة توصلت إليها المجتمعات الغربية بعد مراحل ثورية لا تخلو من العنف، وليس هناك استعداد للتخلي عنها لأجل المهاجرين المسلمين. الإنسان البالغ حر بجسده على ألا تتعارض ممارسة حريته مع حرية الآخرين.
بالتأكيد، هناك تجاوزات وانتهاكات يتعامل القانون معها كجرائم. تصريح الطالبة هولي عن رغبتها لا يعني بأنها مبتذلة أو رخيصة، ولكنها تمارس حقها في تطبيق ثقافتها التي تربت عليها، مثلما كانت إيمان الطالبة المسلمة من أصول باكستانية تمارس حقها في تطبيق ثقافتها. حرصت إيمان على الحفاظ على كل ما تعلمته في بيت أهلها وطبقته في المدرسة.
وبغض النظر عن دوافع التمسك بثقافتها سواء أكانت قمعية أو اختيارية، فإن مصادفتي لها بعد ثلاثة أعوام في الجامعة، تركت سؤالا خطيرا عما جرى لها. اختفت نظرة الرضا والسكينة في عينيها، وتحولت ابتسامتها الهادئة إلى رجفة في الشفتين، عنادها في النقاش والجدل صار اضطرابا في التركيز.
عندما خفضت رأسي لإخفاء ردة فعلي تجاه التغيير الذي طرأ عليها، رأيت أثر الغرزات الطبية على رسغ يدها. بدت وكأنها عمليات إنقاذ لمحاولات انتحار متكررة. ماذا حدث لإيمان؟
ربما تقصّي الحقائق وتحري الإعلام عن التحولات في شخصية الجهادي جون وجميع شباب وشابات الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين الملتحقين بتنظيم داعش يفسران ما حدث لإيمان.
الاضطرابات النفسية نتيجة الصراع العنيف بين ثقافة الأهل وثقافة المجتمع تَخلق ثغرات في شخصية الأبناء، تستغلها التنظيمات الإرهابية لتحفيز دوافع الانتحار المقدس لديهم.
كاتبة عراقية
   
           
سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)