ardanlendeelitkufaruessvtr

صفحات مجهولة لشيخ الإعلاميين.. حمدي قنديل

بقلم محمد طعيمة تشرين2/نوفمبر 14, 2019 93

صفحات مجهولة لشيخ الإعلاميين.. حمدي قنديل
محمد طعيمة
حمدي قنديل فضل لبرنامجه على الشاشة المصرية، مسمى "قلم رصاص" على "رئيس التحرير"، ليقينه أن بديل الحوار والكتابة هي طلقات "الرصاص".
رفض رئاسة "ماسبيرو" في 2011
الاسم ذاته مؤسسة، مهنيا وإنسانيا وقوميا، يستحضر تلقائيا دلالات محورها المصداقية والاتساق مع النفس، هو من وصف بشيخ الإعلاميين العرب، ورئيس التحرير.. على إطلاق اللقب، حمدي قنديل، الراحل عن دنيانا قبل عام، في 31 أكتوبر.
كقطاع واسع من أجيال الإعلاميين العرب، وضمنهم المصريين، كان “أستاذا” لنا، ولفارق السن.. 27 عاما، والتراكم المهني، هو أستاذ أساتذتي. تأكدت أنه قرأ لي بعض ما كتبته عبر مشواري الصحافي، تحديدا في جريدة العربي الناصرية، حين استعرض مقالا مطولا لي عن هند الفاسي، ديسمبر 2001، في برنامجه الأبرز، مصريا على الأقل، رئيس التحرير. وصفت له، حين تعارفنا المباشر، مشهد أسرتي حين نطق اسمي لأول مرة، وكيف “نور” وجه أمي، بلدياته، المولودة في محافظة المنوفية، التي تباهى هو بالانتماء لها “أبا وأما”.
هو لأمي ولمن عاصر ولادة “التلفزيون العربي” المصري نجم النجوم، الذي ظل دائما “محترما”. تواصلنا وتوثقت علاقتي به مع ولادة مشروع جريدة “الحرية” أبريل 2011، التي وصفها قطاع من الوسط الصحافي المصري بـ”جرنال هيكل”. كانت أحد أحلام ما بعد 25 يناير، وإن عاد كفكرة ومحاولات تأسيس لما قبلها بسنوات. كان قنديل رئيس مجلس إدارته، وعبدالله السناوي رئيسا للتحرير، وكنت مدير عام التحرير والمكلف، دائما تحت إشراف أ.السناوي، بإعداد الأوراق التأسيسية التحريرية، ومرجعيته المهنية.. الأستاذ هيكل.
أظهر قنديل قدرات اقتصادية وإدارية ليست غريبة عليه، منها تأمينه عقد إعلانات للجريدة المأمولة يغطيها لثلاث سنوات، يحترم استقلالية سياستها التحريرية. ولا يعرف كثيرون إن “جرنال هيكل”، أو كما كان يأمل هو “أهرام عصري”، لم يكن فقط “جرنال”، فالإصدار الأول كان مخططا أن تليه إصدارات متخصصة، وضمن دوائر حركته بروتوكولات تعاون مهنية، وتبادل “لوجستي يومي” مع إصدارات مماثلة لها ثقلها العربي والعالمي، تولى قنديل القومي منها، والأستاذ الغربي منها. واختيار قنديل لم يكن فقط لكونه “الاسم” المهني الألمع، بل لأن في الأفق مشروع شبكة فضائية، تحت نفس المؤسسة، هو أهل لها. وأن الهدف الاستراتيجي أن تكون، خلال سنوات، بين أكثر عشر مؤسسات إعلامية تأثيرا في العالم.
بعد تجهيزات استمرت ستة شهور، واكتمال بنية الجريدة، تحريريا وقانونيا، وتحديد الفريق الذي يبدأ أطلاق العمل بها، وعقب ساعات من الاتفاق مع بعضهم على ترك أماكن عملهم الحالية.. أجهض الجنين، لأسباب لم يأت وقت ذكرها، وتحول كيانها القانوني لإبراهيم عيسى، مالكا ورئيسا للتحرير، وتغير الاسم من “الحرية.. الآن” إلى “المقال”.
خرجت من التجربة بمكسب عظيم، الارتباط بشيخ الإعلاميين العرب، أصبحت “ترسا” في مشاريعه، التي لم ير أغلبها النور. كان هو منتشيا بزخم 25 يناير وأكثر شبابا وحيوية. بالتقاطع مع مشروع “الحرية”، ومع تولي اللواء طارق المهدي مهام وزارة الإعلام، الملغاة في ما بعد، وتكليفه من المجلس العسكري، الحاكم وقتها، بالإشراف على “اتحاد الإذاعة والتلفزيون” المصري، ماسبيرو، رد قنديل على طلب المهدي مشورته باقتراح سيناريو لاستعادة الطيور الإعلامية المصرية المهاجرة، خاصة المحورية في تأسيس الفضائيات العربية البارزة، وإنهاء المشاكل القانونية بين بعضها وبين الدولة. وافق المهدي وبدأ قنديل مهمته.. تواصل مع العديد منهم، واستعان بآخرين للتواصل مع قطاع أخر، وحضر بعضهم فعلا للقاهرة، والتقاهم دائما، والمهدي أحيانا. كان الهدف استعادة ماسبيرو لريادته كتلفزيون عربي – مصري. فجأة، أبعد المهدي عن الإعلام، وأجهض المشروع.. ربما تمهيدا لما هو آت.
في سياق عودة الطيور، كان من البديهي دعوة نسرهم، قنديل، نفسه، لبرنامجه على الشاشة المصرية، فضّل مسمى “قلم رصاص” على “رئيس التحرير”، ليقينه أن بديل الحوار والكتابة هي طلقات “الرصاص”. كان حاسما في التفاوض المالي، فهو، كما الإعلاميين “الأكثر مشاهدة”، يتعامل بنظام “الكومبو”.. أتي بحصة إعلانات مضمونة، وليس وفق لوائح التوظيف في الاتحاد. وحين استقر التفاوض ووقع العقد، طلب ورقة من أوراق صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، الشركة المتعاقدة معه باسم الاتحاد، وكتب تبرعا بنصف حصته الشهرية لصندوق الزمالة باتحاد الإذاعة والتلفزيون. كان نصيبه الفعلي أقل مما فاوضوه عليه، لكنه كان يرى أن “الأصول يجب أن تتبع، فهي جزء من احترامنا لنفسنا”. كان سعيدا، كطفل، بعودته لما سماه دائما “بيتي”، لكنه بعد أيام قال إن الأمر يحتاج لإعادة التفكير.
فهمت سبب “إعادة التفكير”، حينما تصادف وجودي في دار ميريت للنشر بوسط القاهرة، خلال نفس الأسبوع، مايو 2011، مع مذيعة تلفزيون “متثورجة”، في جلسة ضمّت مثقفين ممن ساهموا بفعالية في 25 يناير. بلا مبرر أخذت طرف الحديث، وروت مشهدا كانت هي بطلته خلال زيارة من حمدي قنديل لمبنى ماسبيرو عقب توقيع عقد عودته، قالت إنها حشدت من سمتهم بـ “شباب الثورة” من العاملين في المبني، وترصدوا له حين خروجه وهتفوا ضد “من غرق في أموال الخليج وعادوا بعد الثورة ليأخذوا أموال الغلابة العاملين في ماسبيرو” وفق تعبيرها! لا أتصورها توقعت رد فعل الحضور، أقساها سخرية ما واجهها به المخرج القدير مجدي أحمد علي “يا فلانة، معروف أن حمدي قنديل ممن يعملون بنظام الكومبو، يعني جاي يدخل لكم فلوس مش ياخد منكم، أديكي مش هتقبضي أخر الشهر”. رويت للحضور تفاصيل تبرعه لصندوق الزمالة، وتفاديت إكمال النقاش مع المتثورجة.
حين رويت له مشهد “ميريت”، ابتسم بمرارة، وتحدث عن مشروعنا القادم.. كان برنامج “قلم رصاص” على فضائية التحرير.. “تن” الآن، الذي غادرها، حاسما، يناير 2012، بعد توقفه مرتين خشية تأثير تغيير المالك على سياستها التحريرية. بعدها تواصلت معه شخصية “سوبر مؤثرة”، ومازالت، والتقته.. معبرة عن أملها في أن تراه على شاشة ماسبيرو، واعدة بتكرار اللقاء لترتيب عودته، ولم يحدث. أدرك قنديل أن التواصل كان “جس نبض” لمدى تمسكه بثوابته المهنية.
اعتذر عن عرض المجلس العسكري توليه رئاسة اتحاد الإذاعة والتلفزيون ثم وزارة الإعلام، النصف الأخير من عام 2011، لكنه أمل دائما في العودة لماسبيرو. ورغم ثقله المهني والقومي وجه في أغسطس 2013 خطابا علنيا لوزيرة الإعلام وقتها، درية شرف الدين، طالبا العودة لبيته، ليعمل مجانا، وكرر طلبه في أكثر من لقاء تلفزيوني معه طوال 2014، فلم ترد. لم يكن سهلا أن تتجاهل إلحاح شيخ الإعلاميين العرب، لكن القرار لم يكن لها، ولم يكن أمامها إلا الصمت، فهي لن تقول إنها استطلعت صاحب القرار، فقال لها “مش وقته”.
فعلا، لم يكن، بمصداقيته واتساقه مع نفسه، ملائما لـ”وقتهم”.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)