ardanlendeelitkufaruessvtr

بينالي القدس: صراع الرغبة والانتماء

بقلم شرف الدين ماجدولين تشرين2/نوفمبر 14, 2019 103

بينالي القدس: صراع الرغبة والانتماء
شرف الدين ماجدولين
"من أجل السماء" شعار مقتبس من التورات يخفي عدوانية النزاع.
تطويع الفن لتزييف الحقائق
أثار “بينالي القدس للفن اليهودي المعاصر” والذي جاء تحت شعار تمويهي على أنه ملتقى سلام يشارك فيه حتى فنانون من غير اليهود، الشعار هو “من أجل السماء”، لكن بمجرد أن نعيده إلى الأصل المقتبس عنه، نفهم كثيرا من ملابسات هذه التظاهرة، حيث اشتُق الشعار من الآية التوراتية “إن أي نزاع من أجل السماء سوف يدوم في نهاية المطاف، ولن يدوم أي نزاع آخر ليس من أجل السماء”.
المقيمة في القدس، إليانا رودي تحدثت عن “بينالي القدس للفن اليهودي المعاصر”، بما هو “لحظة للتأمل في مفهوم النزاع” ضمن المحتوى الثقافي لليهودية، ولم يكن العنوان العام للبينالي مفارقا لمضمون ما ورد في عبارة الصحافية، والمتكرر بصيغ شتى في وثائق البينالي، إذ اختصرت فيه الهوية اليهودية وما تنطوي عليه من ذاكرة متصلة بالصراع في شعار “من أجل السماء”.
يعرض البينالي أعمال فنانين يهود من إسرائيل وبلدان أوروبية وأميركية وآسيوية وأفريقية، وبمشاركة عدد محدود من الفنانين غير اليهود، في 30 معرضا و14 موقعا في القدس، أغلبها مواقع في القدس الشرقية من مثل محطة القطار الأولى، ومركز التراث اليهودي لشمال أفريقيا، ومتحف هيشال شلومو، ومركز “أخيم حاجد”، وفي المركز طبعا “برج داوود”، أماكن بتسميتها الجديدة المستحدثة على أنقاض التسميات العربية القديمة.
وبتصفح سريع للتغطيات الصحافية العالمية المواكبة لمضامين الأعمال الفنية المقدمة في البينالي تتبين هيمنة سؤال “الانتماء” في اتصاله بالعقيدة (اليهودية) وبالأرض والماء والسماء والمدينة والرموز والمباني…. وبتعبير إيدو نوي مدير محتويات المعارض المقامة، فإن اختيار الفضاء جاء باعتبار “القدس تختزل رمزيا جوهر النزاع”.
    بينالي الفن اليهودي المعاصر في القدس مغالطة تاريخية تبني نفسها على شعار التنافس والصراع وعقيدة التظاهر
في كتاب “العنف والمقدس” يستحضر المفكر الفرنسي روني جيرار قاعدة شديدة الدلالة في هذا السياق، هي ما أسماه “مثلث الرغبة”، حيث الراغب والمرغوب فيه يحتاجان دوما إلى وسيط مؤثر يتخذ في أحوال كثيرة صيغة نص، قد يكون له مظهر مقدس، من هنا يمكن فهم عنوان البينالي “من أجل السماء” الذي يستحضر مفردات ومعاني مشتقة من الآية التوراتية “إن أي نزاع من أجل السماء سوف يدوم في نهاية المطاف، ولن يدوم أي نزاع آخر ليس من أجل السماء”.
الرغبة المتصلة بالانتماء، لا تنفصل، بحسب روني جيرار، عن وجود “منافس”، بمعنى “أن المرء لا يرغب في هذا أو ذاك من الأشياء لما للغرض المرغوب من قيمة في ذاته، بل لأن مرءا آخر نظيره صيره له مرغوبا، بفعل امتلاكه له، أو مجرد الرغبة فيه”، وهو ما يجعل من وساطة النص أو طرف ثالث لازمة لتخطي رغبة المنافس، الأمر هنا لا يفارق مقولة “النزاع”، التي تخفف من مضمون المعتقد الأصلي المركب والشديد التعقيد، والمولد لمستويات العنف الحسي، المتصل بالمصادرة المادية قبل المصادرة الرمزية.
وقد يستوعب المشاهد ضمن هذا السياق المفهومي عددا كبيرا من التأويلات لصيغ ومقترحات الأعمال الفنية المعروضة، بالنظر إلى كونها تسعى إلى إعادة تمثيل النزاع والانتماء، بل أحيانا تعيد رسم كنه “اليهودية”، بوصفها هوية تتخطى نطاق العرق والمعتقد، إلى الخطابات المختلفة المنتجة بوازع الرغبة في الانتساب العاطفي، وهو الافتراض الذي يمكننا من فهم ذلك الإلحاح على جعل فنانين من الولايات المتحدة يستعيرون “يهوديتهم” في المعرض بما هي عتبة لتجاوز “التضامن مع” إلى “التماهي ب” في رباط مقدس، وهو ما جسده أساسا المعرض الذي نظمه ساغي رفائيل بهدف فتح نقاش بين اليهود الإسرائيليين واليهود الأميركيين حول سبل تخطي “النزاعات الطارئة”، كما مثلته أعمال فنانين غير يهود انتسبوا لمكان وعنوان وشعار ترسم كلها ملامح هوية متعالية لكن لها جذور متصلة بمكان “مرغوب” هو القدس.
لحظة للتأمل لحظة للتأمل
ليس طارئا ولا متمحّلا، إذن، تصريح رامي أوزيري المسؤول عن البينالي لصحيفة “جيوش نيوز سانديكايت”، الذي يحاول أن يعقد صلة مفهومية بين الأطروحة العقدية وأشكال وأساليب الفن المعاصر، المتنقلة بين “الفيديو” و“الأداء” (البيرفورمانس)، و“التجهيز”، و“النحت”، و“الجداريات”، بناء على استبطانها كلها لأشكال الحركة، وتخطي الاستقرار أو الثبات، التي تسم محتوى الاحتفال اليهودي، بما فيه الصلاة، حيث “تعتمد بشكل كبير على حركة الجسم إلى الأمام وإلى الخلف في إيقاع ممتد”، إنها الحركة المولدة لرمزية الشكل بصرف النظر عن تشخصه الفني أو الطقوسي.
ولعل المماثلة هنا تتخطى نطاق قراءة النوازع المتصلة بالأسلوب في اتصاله بالمحور “التنازع”، والشعار “من أجل السماء”، إلى امتلاك الشكل الفني في جوهره وجعل انتمائه للفضاء عودة استعارية للشكل التعبيري القائم على مقولات تخطي الهوية والمواطنة العالمية إلى مبدأ الانتماء، (العودة لا مفر منها لأرض الميعاد)، التي تكسبه معنى.
في النهاية هي اجتهادات مبررة في السعي إلى امتلاك المرغوب وتحقيق الرغبة وتخطي المنافس، المرغوب الذي ليس شيئا آخر، هنا، إلا المدينة الرمز، بنفي هوياتها الأخرى، وجعل الامتلاك بجوهر إنساني، تكون فيه الأعمال تخييلا للنزاع ضمن دائرة وعي الراغب المهيمن والـمُصادر، لا من قبل صاحب الحق الذي تحول إلى مجرد منافس.
بناء عليه فإن كل ما قد يعطى من ذرائع خارج هذا التصور للحدث الفني، بخصوص مساهمات خارجية لغير اليهود “في بينالي الفن اليهودي المعاصر في القدس” تبقى مجرد تفاصيل، هي من الهشاشة بحيث لا يمكن أن تخلخل القاعدة الراسخة لعقيدة التظاهرة، حتى كلمة “تطبيع” تبدو سطحية ولا تنفذ إلى العمق الذي يكون فيه الفنان (المشارك) رهينة لدى الأطروحة العنصرية.
كاتب مغربي

قيم الموضوع
(0 أصوات)