ardanlendeelitkufaruessvtr

ارتدادات ثورة الشعب العظمى

بقلم د. قيس النوري تشرين2/نوفمبر 21, 2019 129

 

د. قيس النوري

الحدث العابر في التاريخ لا يترك تأثيراً حاسماً في مسيرة الشعوب، فهو، بالأساس، حدث طارئ يدور في ذاته الضيقة ثم يتلاشى منسياً، على العكس من الأحداث والمنعطفات الكبرى، فإنها تمتلك فاعليتها واستمراريتها لتمتد في التأثير نحو محيطها الأبعد، متحدية عوائق الجغرافيا وحواجزها، هذا ما فاضت به الثورة الفرنسية ثم الحرب الأهلية الإسبانية، كأمثلة بارزة الدلالة على الحدث التاريخي ذي الارتدادات الأبعد من نطاق الحدث ذاته وحدوده وبؤرته.
ما يجري، الآن، في ساحات العراق ومدنه ليس حدثاً عابراً لا بشكله ولا بمضمونه، إنه حدث يضاهي الثورات العظمى في التاريخ ويحاكيها لجهة فرادته وأصالته، ومشروعية منطلقاته وتسارعاته الفاعلة، وقدرته المستلهمة لروح الشعب المشبعة بالرفض.
حوّل شباب العراق وشاباته روحية شعب العراق وأصالته إلى بوتقة وحراك مذهل أذاب، خلال أيام معدودات، كل الجهد والفعل، الذي مارسه الاحتلال المركب، الأميركي الغازي والإيراني المتواطئ الذي أوكلت له مهمة إكمال الصفحة التالية للاحتلال بالإجهاز على العراق كقوة مجتمعية صلدة من الصعب تدجينها وإخضاعها وكسر شوكتها، لكن شواهد التاريخ الحركي للعراق حافلة بعديد أمثلة تؤكد شكيمة هذا الشعب وتؤصلها، فهو شعب الثورات، وشعب التحدي من دون قيود ووجل، ولربما نستحضر بعضتً من سفر نضالات العراق، فقد تصدى جيش العراق وشعبه لأكبر قوة اقتصادية وعسكرية عالمية آنذاك: بريطانيا في مايس عام 1941 فيما عرف بالحرب العراقية البريطانية، ثم تتكرر الشواهد في عصرنا الراهن بالتحدي وتماسك الشعب في القادسية الثانية حين حاول الفرس تصدير فكرهم الظلامي المنحرف إلى العراق أولاً، فكانت ملحمة دامت ثمان سنوات في أطول حرب نظامية حديثة في عصرنا الراهن، ليخرج منها العراق منتصراً مؤكداً من جديد أنه عصي على القبول بالأمر الواقع الذي يراد فرضه قسراً على إرادته.
حدث بهذا الحجم تصنعه إرادة تاريخية متجذرة لن يبقى أسير بؤرته، أو مركزيته، التي يراد تطويقها، فخصوصية الحدث التاريخي وكينونته بطبيعته عابرة للحدود وحتى القارات، وملهم للقدرات الشبابية الحية لتفعيل الحدث وتكراره في أكثر من حيز يتعرض هو الآخر لمحنة تحاكي محنة شعب العراق، حدث أول ارتداد سريع في لبنان الساعي للتخلص من نظامه الطائفي صنيعة المستعمر الفرنسي وتركته، ثم توالت ارتدادات الحدث العراقي بالتظاهرات العارمة في المدن الإيرانية ومدن دولة الاحواز العربية المحتلة، وهي ارتدادات مرشحة للتكرار والمحاكاة في وطننا الكبير وما جاوره، كونه تجاوز الاحتمالات إلى دوائر المؤكد.
أمام هذا الفيض الثوري النقي، يبرز السؤال المتوقع: هل تعلن قوى الردة الانصياع والانسحاب؟ بالتأكيد إن هذه الجيوب المتخندقة بالقوة الزائفة بالإمعان في استخدام عنف وإرهاب الدولة سوف تلجأ إلى أبعد حد ممكن، وهي قد مارسته علناً جهاراً من دون قيود، لكن هذا السلوك اصطدم بدوره بجدار صلب صنعته الإرادة الواعية والفريدة للثائرين، إرادة لا تهتز برغم كل الوحشية والقسوة، التي يستخدمها الطغاة، لا تراجع فمحصلة الصدام محسومة حتماً لإرادة ثوار يصنعون حدثاً تاريخياً استثنائياً سوف تشكل مجرياته، كما نتائجه، أحد أبرز صفحات تاريخ العرب السياسي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)