ardanlendeelitkufaruessvtr

انحسار النقد في الثقافة العربية

بقلم حسونة المصباحي كانون1/ديسمبر 04, 2019 68

انحسار النقد في الثقافة العربية
حسونة المصباحي
لم يعد غريبا أن يتجرأ رواد وسائل الاتصال الحديثة على التهجم على كاتب أو شاعر دون أن يقرأوا له.
غياب الناقد خطر على الأدب
في حوار أجريته معه في صيف عام 1986 بمدينة هامبورغ الألمانية، قال لي الكاتب الكبير ألبرتو مورافيا إن الإشعاع العالمي الذي حققه الأدب الإيطالي بعد الحرب الكونية الثانية يعود إلى حركة نقدية هائلة واكبت الشعر والنثر، وفيها ساهم بقدر هام كتاب وشعراء إلى جانب نقاد مشهود لهم بالمهارة والذكاء، والقدرة على اكتشاف المواهب الجديدة وعلى فتح آفاق لم تكن مألوفة حتى ذلك الحين خصوصا بعد أن نقلت إلى لغة دانتي أعمال شعرية وروائية وفكرية وفلسفية ونقدية كانت لها أصداء هائلة في جميع أنحاء العالم.
وأضاف صاحب “امرأة من روما” قائلا بأن العديد من مقاهي روما وميلانو، وغيرهما من المجن الإيطالية الكبيرة تحولت إلى نواد ثقافية فيها تناقش النصوص الجديدة “بلا شفقة ولا رحمة” بأصحابها، بحيث تغيب المجاملات والعواطف تماما ليكون النص هو المنطلق الأساسي للنقاش والنقد.
والأمر ذاته حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. فقد دأب “جماعة 48” الذين حققوا للأدب الألماني الإشعاع العالمي أمثال غونتر غراس، وهانس ماغنوس انسنسبرغر، وهاينريش مان، وغيرهم على إخضاع نصوصهم لنقد جدي تغيب فيه أيضا المجاملات، ويعلو الرأي النقدي الصريح.
وفي فرنسا، تفاعل النقد بجميع أشكاله مع الموجات الأدبية التي عرفتها فرنسا منذ عصر النهضة. وفي القرن التاسع عشر، أصبح سانت بوف، “سيد” النقد الأدبي. لذا كان قادرا على إعلاء شأن هذا الكاتب، أو هذا الشاعر، أو الحط من قيمة أعمالهما من خلال مقالاته التي كانت تصدر كل يوم اثنين لتكون حديث المقاهي والنوادي والصالونات الأدبية في باريس.
وفي القرن العشرين، واكبت “المجلة الفرنسية الجديدة” كل الحركات الأدبية بمختلف أنواعها وأشكالها. وقد أشرف على هذه المجلة نقاد وأدباء كبار أمثال جان بولان، وأندريه جيد. ولا تزال كتب رولان بارت مراجع أساسية في مجال النقد الأدبي لا في فرنسا وحدها، بل في جميع أنحاء العالم.
وقد عرف الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين نهضة هامة بفضلها ظهرت أشكال تعبير جديدة مثل المسرح، والسينما، والرواية، والشعر الحر. ويعود ذلك إلى بروز نقاد واكبوا هذه النهضة منذ بدايتها، وساهموا في تطوير التجارب الطلائعية، وفي التعريف بالتجارب العالمية الكبيرة في مجال الشعر والرواية والفكر.
وكان الدكتور طه حسين يهتم في جل كتاباته بالثقافة العربية في ماضيها، وفي حاضرها. فقد كان يكتب عن المتنبي، وعن المعري، وعن شعراء ما قبل الإسلام، أو بعده من دون أن يغفل عن أدباء عصره، أو عن الأدباء والشعراء الغربيين الكبار انطلاقا من العصور الإغريقية والرومانية، وحتى القرن العشرين.
ومثله فعل العقاد، وإبراهيم المازني، ومحمد مندور، ولويس عوض. وفي  بلاد الشام، تألق مارون عبود الذي ابتكر طريقة نقدية بديعة لم يسبق لها مثيل في الثقافة العربية. وفي تونس، تجرأ الشاعر الكبير أبو القاسم الشابي على تحدي “قداسة” الشعر العربي القديم، كاشفا عن العديد من عيوبه الجمالية والفنية في كتابه الشهير “الخيال الشعري عند العرب”.
وأما كتاب “الغربال” لميخائيل نعيمة  فلا يزال يحتفظ بنضارته وقوته النقدية إلى حد هذه الساعة. وكانت لجماعة مجلة “شعر” جلسة أسبوعية تدور خلالها نقاشات جادة حول النصوص التي تعتزم المجلة نشرها.
وفي العديد من المرات، أشعل النقد الجاد والصريح معارك فكرية وأدبية كان لها دور أساسي في بعث الروح في الثقافة العربية التي ظلت على مدى قرون طويلة تعاني من التحنط والجمود.
انطلاقا من الستينات من القرن الماضي، ومع  هيمنة الأحزاب الواحدة على أنظمة الحكم، بدأت الحركة النقدية تشهد تراجعا مخيفا. وبسبب الخوف من أجهزة الرقابة، ومن وسائل القمع الرهيبة التي كانت تنتهجها الأنظمة الحاكمة ضد حرية الفكر والتعبير، لم يعد النقاد يجرأون على الجهر بآرائهم في مختلف القضايا سواء كانت ثقافية أم سياسية أم اجتماعية، أو غيرها.
وقد انجر عن ذلك بروز مثقفين انتهازيين تمكنوا بسرعة من الهيمنة على الحياة الثقافية والأدبية في جل البلدان العربية، لتشهد الحركة النقدية تقلصا كبيرا. وبسبب ذلك، قفز إلى الصف الأول أدباء من الدرجة الثانية أو الثالثة، أو ربما أقل من ذلك. وهذه “القفزة” تحققت لهم لا بسبب جودة أعمالهم، وإنما لأنهم قبلوا أن يكونوا “خدما” طيعين للأنظمة القائمة.
ومع مرور الزمن، كثرت المجاملات، وتعددت “المافيات” لتتعفن الحياة الثقافية في جل البلدان العربية، وليجد أصحاب المواهب الحقيقية أنفسهم في العتمة، أو في المنافي الباردة فلا أحد يلتفت إليهم، أو يعير اهتماما ولو ضئيلا لأعمالهم.
وقد ازداد الوضع سوءا خلال العقود الماضية خصوصا بعد أن أصبحت وسائل الاتصال الجديدة منابر إعلامية وثقافية منها يطل كل من هب ودب ليمارس التجريح والسب والشتم والمس من كرامة هذا أو ذاك من دون حسيب أو رقيب. وضحايا مثل هذه الأساليب المشينة يزدادون عددا في كل يوم بسبب غياب المنابر النقدية بحسب مفهومها الحقيقي والعادل. لذلك لم يعد غريبا أن يتجرأ أحد طواويس منابر وسائل الاتصال الحديثة على التهجم على كاتب أو شاعر من دون أن يكلف نفسه ولو قراءة سطر واحد له…
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)