ardanlendeelitkufaruessvtr

منذر مصري برجوازي نبيل ورسام يكتب الشعر

بقلم علي قاسم كانون1/ديسمبر 08, 2019 138

منذر مصري برجوازي نبيل ورسام يكتب الشعر
علي قاسم
منذر مصري في مغامرته مع محمد سيدة فنان يرى ما لا يراه الآخرون.
محمد سيدة ومنذر مصري تجربة استثنائية في الصداقة والشعر
 صعب أن تكتب عن مبدع يخجله المديح، والأصعب أن تختار عبارات قد تقارن، فيما بعد، بكتابات له موجودة في كل مكان. هل سترتقي اللغة إلى مستوى تصلح معه المقارنة، ولو عرضا، بما كتبه منذر مصري، الذي استطاع أن يخترع لغة ليست ككل اللغات؟
الحروف وحدها لا تكفي للقول إن منذر يكتب بالعربية.
كل من أراد الكتابة عن منذر تراجع فجأة، خشية أن تبدو كتابته شاحبة. لذلك يفضل الكثير إجراء حوار معه، يلقون بالسؤال، تاركين له مهمة صياغة الكلمات.
لا أعلم إن كانت البساطة وحدها هي ما يضفي السحر على نصوص منذر مصري، أم أن هناك شيئا آخر.
ولكن، لماذا منذر، دون العشرات من الأسماء؟
شعرت فجأة برغبة في العودة بالذاكرة 48 عاما إلى الوراء، ما أذكره أنني شاب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر، تربطني صداقة بشاب يختلف عن الجميع، يكبرني بسبع أو ثماني سنوات. لا أعلم كيف تعرفت عليه، رغم أنه ابن مدينتي، بل ابن الحي الذي أقطن فيه، يسكن بناء ملاصقا للبناء الذي أسكن فيه.
يبدو لي أن علاقتي بمنذر كان سببها صديق مشترك هو الشاعر محمد سيدة، وهذا ما أضفى على الحكاية كلها جاذبية خاصة.
يمكن أن نعتبر منذر مصري نقيضا كاملا لمحمد سيدة، آخر الشيوعيين المؤمنين بلينين في سوريا، دون أن نخشى المبالغة.
منذر سيدة جمع القصائد المنسيةديوان يلخص سيرة شاعر
صديقان لدودان، لا يستطيع الواحد منهما الاستغناء عن الآخر. أذكر، على الأقل، مئات المرات التي اختلفا فيها إلى حد القطيعة، التي كانت تدوم ساعات أو أياما على الأكثر.
كان محمد سيدة يخفي جاهدا مشاعر الإعجاب التي يكنها لمنذر، ويتهجم عليه، يتهمه بأنه برجوازي صغير، كانت هذه أكبر تهمة يمكن أن يوصف بها إنسان بالنسبة إلى محمد.
كان منذر برجوازيّا، أو هكذا يبدو، ولكن لم يكن صغيرا. كان برجوازيا نبيلا، وكان إنسانا أكثر من جميع من عرفتهم. متسامح تسبقه ابتسامته، أينما حل. ولهذا السبب لم يستطع محمد سيدة أن ينهي علاقته به، كان يحتاجه ليشعر بأنه إنسان.
لم يكن محمد سيدة، عامل الكهرباء “الذي يقطن قبوا رطبا بصحبة طيوره وكتبه”، معروفا حينها كشاعر في الوسط الثقافي السوري، إلى أن قدمه منذر إلى الناس قائلا “معلمي”.
“حتى في أشدّ حالات صداقتنا تدهورا” يقول منذر “لم أتوقف عن التردّد إلى قبوه، ولم يتوقف هو عن أن يقرأ لي، للمرة العاشرة، القصيدة التي كتبها منذ ثلاثة أشهر. كان على بساطته الظاهرية في الكتابة، وضعفه في اللغة، كقواعد ونحو، يعمل مثل نحّات، وصائغ مجوهرات، لقصيدة خاصة، تتصف بإدراك عميق لروح اللغة، ودقة فائقة في القبض على المعاني”.
ويضيف منذر “منه تعلّمت أن القصيدة، مهما صغرت، تُكتب ألف مرة، وكل مرّة تختلف عن الأخرى، اختلافا صغيرا لا غير، ولكنه هام وخطير”.
لا أعرف كيف تمكن منذر من إقناع “معلمه” محمد سيدة بأن يشاركه ديوان شعر، ولكن من حسن الحظ أن المعلم “تواضع” ونشر عدة قصائد في كتاب مشترك جمع بين محمد ومنذر والشاعرة مرام المصري، أخت منذر، حمل الكتاب عنوان “أنذرتك بحمامة بيضاء”، صدر عام 1984.
علاقة منذر بصديقه لم تنته حتى بعد وفاته (عام 2003)، واكتشاف جثته في برّاد للموتى في مستشفى المدينة، إثر جلطة دماغية أثناء وجوده في سوق الجمعة في مدينة اللاذقية.. لا بطاقة شخصية أو وثيقة تدل على صاحبها، إلى أن تفقدته أخته بعد عشرة أيام على موته. كانت غرفته غارقة بالمياه، وقد تبللت كتبه، كما ماتت عصافيره في الأقفاص.
قصائد مجهولة اكتشفها منذر مصري أخيرا، في حافظة بلاستيكية زرقاء، كانت شقيقة الشاعر الراحل، نجاح سيدة، تحتفظ بها، أعادت تلك القصائد محمد سيدة إلى الواجهة بقوة.
قام منذر بجمع القصائد المنسية، إضافة إلى المعروف من القصائد، في ديوان اختار له عنوانا يلخص سيرة الشاعر “هامش الهامش: الأشعار الكاملة”، صدر عن دار التكوين، ويؤكد منذر مصري أن محمد سيدة “أورثنا شعراً يستحق منّا أن نكرّر قيامنا بتلك المسرحية: نتظاهر بأننا فجعنا بفقدان موهبة استثنائية… ولكن بعد موته”.
هل يكفي، بعد قول هذا كله، أن أعرّف منذر مصري مستخدما العبارات التي دأب محاوروه على استخدامها؟
شاعر ورسام سوري من مدينة اللاذقية، يكتب قصيدة النثر، أصدر العديد من الدواوين الشعرية، منها “آمال شاقة”، “بشر وتواريخ وأمكنة”، “أنذرتك بحمامة بيضاء” (مشترك)، “مزهرية على هيئة قبضة يد”، و”الشاي ليس بطيئا”.
منذر رمصري.. رسام يكتب الشعر منذر مصري.. رسام يكتب الشعر
أبدا.. فتلك مهمة سبقني إليها كثيرون. لذلك سأتحدث عن منذر مصري كما عرفته، منذ 48 عاما، لم أكن حينها أعلم أنني سأختار طريق الفن أو الصحافة، كان اهتمامي موجها للعلوم الطبيعية وعلم الأحياء. في غرفة منذر اكتشفت الموسيقى، والرسم. لم أكن مؤهلا للحكم على العمل الفني وتقييمه، ولكن لسبب ما رأيت في رسومه ما لم يره الآخرون.
هناك شيء غير عادي في رسوم منذر وفي قصائده، وكنت أندهش لأن منذر لا يرى فيها ما أراه، بالنسبة إلي كانت غرفة منذر بمثابة كهف مليء بالكنوز المعرفية والفنية.
لا أعلم إن كانت الزيارات المتكررة التي قمت بها إلى منزله هي السبب في تغيير خططي المستقبلية، لم أعد أهتم بعلم الأحياء، وانتسبت إلى كلية الفنون الجميلة في دمشق لدراسة الرسم.
أذكر بعد عامين من التحاقي بكلية الفنون أني تحدثت إلى منذر حول ضرورة أن يعرض أعماله في دمشق، كنت أريد أن يعلم الزملاء في الكلية بوجود فنان متميز بمدينة اللاذقية. لم يكن متحمسا للفكرة، ولكن حصل بعد ذلك أن أقام معرضا لرسومه في المركز الثقافي بدمشق، وكانت فرصة لأقدمه لأصدقاء هم اليوم قامات كبيرة في الوسط الفني.
بعد مرور أكثر من 40 عاما ما زلت على رأيي: منذر رسام يكتب الشعر. والأهم من ذلك أنه فنان يمتلك قدرة غامضة على تذكير الناس من حوله بأنهم بشر.
أحداث سوريا المأساوية أبعدت منذر مصري عن الشعر والرسم، وقرّبته من كتابة المقال، وهنا أيضا قدم لغة ليست كسائر اللغات، بعد أن تمسك بالبقاء في مدينة اللاذقية، طالبا من الجميع ألّا يسألوه: لماذا هو باق؟
سأقول لك لماذا أنت باق؛ أنت باق لترى ما لا يراه الآخرون، وتكتب ما لم يكتبه الآخرون. تكفي عناوين نصوصك المنشورة لتؤكد ذلك: أيها الخارج.. اطرح عنك كلّ أمل، السيرة الضاحكة للخوف، استمر في الضحك.. ستموت قريبًا.
كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)