ardanlendeelitkufaruessvtr

الكاميرا ما زالت تشرق من القدس

بقلم حميد سعيد كانون1/ديسمبر 14, 2019 413

الكاميرا ما زالت تشرق من القدس
حميد سعيد
هاني جوهرية شكل حالة إبداعية في اشتباكها مع التاريخ ومع الحاضر، فقد عاش في عمق المجتمع الفلسطيني كما عرف حياة القواعد العسكرية مع الفدائيين، فكانت أعماله صفحات مجيدة من التاريخ الفلسطيني.
فنان مقاوم حتى استشهد
بعنوان “الكاميرا تشرق من القدس” أنجز الكاتب الفلسطيني سليم النجار كتاباً مهماً، صدر عن دار هبة في عمّان، يجمع بين التوثيق والنقد والاستذكار عن المصور والمخرج السينمائي الفلسطيني الشهيد هاني جوهرية، معتمداً في كتابه هذا على مراجعة وثائقية وشهادات أدلى بها زملاء جوهرية وأصدقاؤه ورفاقه وبخاصة شهادة شقيقه الراحل رياض جوهرية.
وحرص الكاتب على أن تشمل الشهادات التي اعتمدها في كتابه، جميع مراحل حياة هاني جوهرية وجميع المواقع التي عمل فيها، وتكاد تكون جميع هذه المواقع، على علاقة بالتصوير السينمائي والفوتغرافي، أو كما يقول النجار نقلاً عن رياض جوهرية، لقد ولد هاني والكاميرا بين يديه.
والكتاب من وجهة نظر سليم النجار، محاولة لكتابة سيرة ذاتية وفنية في آن واحد، لرائد من رواد السينما الفلسطينية وأحد مؤسسيها البارزين، وفتح ملفه الذي كاد يضيع في زحمة الأحداث، إذ شكَّل جوهرية حالة إبداعية في اشتباكها مع التاريخ ومع الحاضر، فقد عاش في عمق المجتمع الفلسطيني بمدينة القدس وفي المهاجر حيث المخيمات، كما عرف حياة القواعد العسكرية مع الفدائيين، فكانت أعماله صفحات مجيدة من التاريخ الفلسطيني.
وهو من مواليد القدس، حي القطمون، في عام 1939. ونشأ في رحاب أسرة لها اهتماماتها الثقافية، فوالده فخري جوهرية من خريجي الكلية العربية في عام 1933، وعمل مديراً لعدد من المدارس في القدس وهو من هواة الموسيقى، وكان جده محامياً، وعمه واصف جوهرية موسيقي معروف، أما عمه توفيق فهو رسام محترف.
ويقول رياض جوهرية “كان الوالد حريصا على تثقيفنا، وفي بيتنا مكتبة متميزة، لذا نشأ هاني قارئاً من الدرجة الأولى، وكان ذا شغف بكل ما له علاقة بالسينما، أما في ميوله السياسية فقد كان في البدايات قريباً من حركة القوميين العرب”.
وفي عام 1956، خلال حضوره إحدى دورات معرض دمشق الدولي، اشترى من جناح الاتحاد السوفييتي آنذاك كاميرا صغيرة، ومن ثم تعلم تحميض وإظهار الصور في البيت، وعمل مدرساً للغة الإنكليزية ومشرفاً على الوسائل البصرية، وفي عام 1964 ذهب إلى القاهرة والتحق بمعهد الفنون لدراسة التصوير السينمائي، أيامذاك كان مدير المعهد محمد كريم، وهو من أوائل المخرجين السينمائيين في مصر، ومن أساتذته في المعهد الفنانان الكبيران عبدالوارث عسر ومحمد توفيق، كما حصل على منحة من وزارة الإعلام الأردنية لدراسة التصوير السينمائي في بريطانيا.
وكانت تجربته الأولى في التصوير السينمائي، خلال عمله في قسم التصوير السينمائي بوزارة الإعلام الأردنية، إذ كان يصور “جريدة الأردن الناطقة” وبعض مناورات الجيش الأردني، وخلال عمله هذا من عام 1967 إلى عام 1969، صوَّر عدداً من الأفلام التسجيلية، هي”الأرض المحروقة” و”زهرة المدائن” و”جسر العودة”، والفيلم الأخير تناول النزوح الفلسطيني الثاني، بعد هزيمة حزيران و”الحق الفلسطيني” حول حقوق الشعب الفلسطيني من وجهة نظر القانون الدولي.
غير أنه في هذه المرحلة تحديداً، التحق بتنظيمات المقاومة الفلسطينية وأنشأ قسم التصوير في حركة فتح بالتعاون مع المخرج السينمائي مصطفى أبوعلي والمصورة سلافة جاد الله التي سبق أن عمل معها في وزارة الإعلام الأردنية، وبدأ يرافق الفدائيين في عملياتهم القتالية.
وفي عام 1968 تم تأسيس وحدة أفلام فلسطين، فقام بتصوير فيلم “لا للحل السلمي” و”شهادة الأطفال في زمن الحرب” في عام 1969، و”بالروح بالدم” في عام 1970 و”على طريق النصر” حول المدينة التعليمية لأبناء الشهداء والأسرى الفلسطينيين في عام 1975، و”المفتاح” حول رمزية مفتاح البيت الذي حمله معه الفلسطيني في مهاجره في عام 1976.
لقد وفق سليم النجار في ما التقى من الشهود وفي ما قدموا من شهادات، شملت جميع مراحل هاني جوهرية العمرية والفنية، كما شملت الشهادات الأماكن التي أقام أو عمل فيها، وممن رافقه في مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني وبدايات السينما الفلسطينية، المخرج صلاح أبوهنود الذي قال في شهادته:
حين التحق هاني بحركة فتح، بعد معركة الكرامة في عام 1968 ليعمل مصوراً ميدانيّا ويرافق الفدائيين في عملياتهم القتالية، استمرت علاقتي به وأصبحنا على تواصل شبه يومي، في بيت أم درويش في جبل الجوفة الذي يعرف بمكتب السينما الفلسطينية، وفيه تعرفت على المخرج الفلسطيني مصطفى أبوعلي وأصبحنا نلتقي في المكتب المذكور، وطموحنا آنذاك لا سقف له حيث تستمر النقاشات بيننا لعدد من الساعات، حول السينما وهمومها وقضاياها وفي مقدمتها كيف نعمل سينما فلسطينية؟
واتفقنا على تقديم سينما مختلفة عن السائد في تلك المرحلة، سينما تقوم على أساس الجهد الجماعي، وقمنا بتنفيذ ما اتفقنا عليه من خلال فيلم بعنوان “لا للحل السلمي”، عرضناه في عمّان.
وجاء في شهادة الكاتب رسمي أبوعلي “تكمن أهمية هاني المصور السينمائي في أنه استطاع تصوير الجانب الجذاب والإنساني المشرف للثورة الفلسطينية وقد انتشرت صوره في أوروبا بسبب جمالها وبراعتها”.
كما ضم الكتاب شهادات عدد من أصدقاء هاني جوهرية، ممن زاملوه في مدينة القدس وكانوا من أصدقائه في مرحلتي الصبا والشباب، منهم الفنان التشكيلي فلاديمير تماري وإيميل ناصر ومنذر الجلاد.
لقد استشهد في لبنان بتاريخ 11 أبريل 1976 حين كان يصور إحدى المعارك في مرتفعات عين طورة، وكان قد توجه مع مجموعة من الكتاب الفلسطينيين، حاملاً كاميرته إلى مرتفعات هين طورة، وانفصل عن بقية المجموعة، واندفع إلى الأمام ليواصل تصوير ما يحدث، فأصابته قذيفة مدفع، إصابة مباشرة، وما زالت الكاميرا التي كان يصور بها لحظة استشهاده موجودة داخل صندوق زجاجي وقد اخترقتها شظايا القذيفة، ومعها علب صور فوتغرافية لم يكن قد استخدمها بعد.
ويتحدث الشاعر والأكاديمي الدكتور عزالدين المناصرة عن استشهاده قائلاً “كنت واقفاً في الشارع، وسيارة الإسعاف تمر بجانبي وتتوقف أمام مكاتب الإعلام الموحد، وتوجست شراً، خاصة وأن معظم الذين يعملون في الإعلام أعرفهم، خفت أن يكون أحد معارفي قد استشهد، واستفسرت من يكون، فكانت المفاجأة عندما قالوا لي، إنه جثمان الشهيد هاني جوهرية، وفي اليوم الثاني تم تشييعه إلى مقبرة الشهداء، وقد شاركت في تشييعه كما شارك محمود درويش ومعين بسيسو وسمير نمر”.
وأختم مقالتي، بما ورد في شهادة الباحث عبدالله حمودة حيث قال “بعد كل هذه السنين، ما زلت أذكر هاني وأحاديثه ، فهو نكهة فلسطين التي لا يمكن  نسيان طعمها، خاصة إذا كان هذا المذاق فلسطينياً، وهاني جوهرية كان وما زال مذاق فلسطين الخالد”.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)