ardanlendeelitkufaruessvtr

لا عودة إلى ما قبل 17 أكتوبر في لبنان

بقلم عديد نصار كانون1/ديسمبر 15, 2019 354

 

لا عودة إلى ما قبل 17 أكتوبر في لبنان
عديد نصار
خطاب نصرالله الأخير لم يكن سوى مجموعة من النكات السمجة التي لم تصل حتى إلى إضحاك الثوار اللبنانيين الذين لا يزالون يعتصمون في الساحات على امتداد لبنان.
لاءات ثلاث في وجه الثورة
لم يكن خطاب حسن نصرالله زعيم حزب الله اللبناني، في “إطلالته” الأخيرة، سوى مجموعة من النكات السمجة التي لم تصل حتى إلى إضحاك الثوار اللبنانيين الذين لا يزالون يعتصمون في الساحات على امتداد لبنان منذ قرابة الشهرين. فهل كان خطابه لزوم ما لا يلزم؟ أم كان موجها بالدرجة الأولى إلى ما يعتبره “بيئته الحاضنة” في “إطلالة” جديدة له بعد غياب دام شهرا من الزمن بعد أن كثّف “ظهوره” في الأسبوعين الأولين للانتفاضة، أم كان تمهيدا لأمر ما؟
وفيما يستمر الثوار كل يوم في ابتكار لوحات جديدة في مسيرة ثورتهم السلمية، مستخدمين أساليب وطرقا متنوعة في مواجهتهم لقوى السلطة بدءا من الاعتصام في الساحات إلى قطع الطرقات والتوجه إلى المؤسسات الرسمية المسؤولة عن تردي الخدمات، إلى الاعتصام أمام المصارف والتوجه إلى مكاتب ومنازل النواب والوزراء المسؤولين عن فشل البنى التحتية التي عقدت من أجلها الصفقات ونهبت الموازنات التي خصصت لها على مدى العقود الثلاثة المنقضية، تتواصل عمليات القمع والتعدي على المتظاهرين في مختلف المناطق واستخدام الجيش والقوى الأمنية في قمع تحركاتهم باللجوء إلى القوة المفرطة التي نتجت عنها إصابات كثيرة في صفوف الثوار، إضافة إلى التوقيفات التي شملت عشرات الثوار السلميين في مختلف المناطق أيضا. كان رد الثوار في كل مرة مزيدا من التضامن والالتحام بالساحات ما فرض على أجهزة السلطة في كل مرة، إطلاق سراح المحتجزين خلال مدد قصيرة.
وبالعودة إلى خطاب نصرالله، فقد قسم خطابه إلى ثلاثة أقسام: التدخل الأميركي وتشكيل الحكومة والتضامن الاجتماعي.
في التدخل الأميركي يقول حسن نصرالله إن أميركا تحاول استغلال انتفاضة اللبنانيين لتحقيق مصالحها وخصوصا للخروج من أزمتها في مواجهة حزب الله.
يا سيد حسن، ليس غريبا على أي قوة هيمنة خارجية دولية أو إقليمية، أن تحاول الاصطياد في الماء العكر. فلماذا تعكرون المياه اللبنانية لتتيحوا لأميركا ولسواها الاصطياد؟ جميع القوى الإقليمية والدولية من أميركا إلى إيران ومن روسيا إلى تركيا تحاول أن تجد لها منفذا تنفذ منه وخصوصا في أوقات الأزمات.
ولكن، هل رجعنا إلى من يقف وراء تلك الأزمات التي دفعت الشعب في لبنان أو في سواه إلى الانتفاض والثورة؟
تتحدث عن محاولة الأميركيين توظيف الثورة لخدمة مصالحهم، ولا تتحدث عمّا ارتكبه نظام مافيا الملالي في طهران من خلالكم لتنفيذ أجنداته المحلية والإقليمية.
الثوار في الساحات يدركون تماما الأضرار الفادحة التي يمكن أن تنجم عن التدخلات الخارجية، وهم يعملون على تحصين ساحاتهم كي لا تتورط في صراعات المحاور كافة، لذلك رأيناهم يخرجون للاعتصام أمام مقر وزارة الخارجية اللبنانية رفضا لكل تدخل خارجي ألم يكن حريا بنصرالله وحزبه مطالبة حليفه جبران باسيل بأن يرد على تصريحات وزيري الخارجية الأميركي مايك بومبيو والروسي سيرجي لافروف، بدل إسداء النصح للثوار؟
الثوار في الساحات يدركون تماما الأضرار الفادحة التي يمكن أن تنجم عن التدخلات الخارجيةالثوار في الساحات يدركون تماما الأضرار الفادحة التي يمكن أن تنجم عن التدخلات الخارجية
ثم، إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تحاول استغلال الانتفاضة في لبنان لتوجيهها نحو الصدام مع حزب الله، وهذا أمر طبيعي في إطار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ومشروع الولايات المتحدة في توظيف جميع الأنظمة، بما فيها النظام الإيراني نفسه، والقوى الإقليمية لخدمة النظام العالمي الذي تتزعمه، وإذا كان نصرالله نفسه وفي الخطاب نفسه يقول إن الانتفاضة في الأيام الأولى كانت وطنية ونظيفة وطاهرة.. وإن محاولات استغلالها جاءت لاحقا، لتكون في مواجهة حزب الله وسلاحه، نقول ونذكّر حسن نصرالله ونؤكد لما يدعي أنه “بيئته” الحاضنة أن الثوار يمتلكون ذاكرة قوية جدا، ذاكرة مكنتهم من أن يطالبوا بمحاسبة كل من تولى الشأن العام وتصرف بالمال العام منذ سنة 1992.
وبالتالي فلا الثوار نسوا ولا الشعب اللبناني نسيَ خطاب نصرالله في اليوم الثالث لثورة 17 تشرين، وما تضمنه من لاءات ثلاث في وجه الثورة وردا على أهدافها المعلنة: لا لإسقاط الحكومة، لا لإسقاط العهد، لا لانتخابات نيابية مبكرة. وكان بذلك يضع نفسه وحزبه وحلفاءه في وجه الثورة التي لم تكن حتى ذلك الوقت في وارد المواجهة مع حزبه ومع سلاحه.
إذاً، هو من بادر إلى التصدي للثورة من خلال لاءاته ومن ثم من خلال الزج بمجموعات من الشبيحة من محازبيه وأنصاره ومن محازبي وأنصار حلفائه الأقربين، حركة أمل والتيار الوطني الحر، من أجل التصدي للثوار والاعتداء عليهم في ساحات الاعتصامات في النبطية وصور وبنت جبيل وبيروت والمتن وسواها.
أما في موضوع الحكومة، فالنكتة السمجة التي أطلقها زعيم حزب الله هي تجاهل كل ما جرى ويجري على الساحة، كل أسباب الثورة ومسبباتها، كل القوى التي أوصلت البلاد والشعب إلى الهاوية الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية.
ويتجاهل بالتالي مطالب الثوار وكل اللبنانيين الذين توافقت ساحاتهم وخطابهم السياسي على ضرورة تشكيل حكومة مصغرة من أكفاء مستقلين وبصلاحيات تشريعية استثنائية تسن تشريعات استقلالية القضاء وقانونا جديدا حقيقيا للانتخابات وتشرف من خلال هيئة مستقلة على انتخابات تشريعية مبكرة، وتستعيد بالتالي الأموال المنهوبة وهي بمليارات الدولارات التي تعيد إلى المالية العامة توازنها، تجاهل كل ذلك ليطلب تشكيل حكومة سياسية تضم كل القوى السياسية، أي العودة إلى ما قبل 17 تشرين. وسماجة النكتة تتبدى حين ندرك أن قائلها غير مقتنع أبدا بمضمونها إضافة إلى اقتناعه الأكيد بانعدام فرص تحقيق هذا المضمون.
هذا حلم نصرالله وحلم كل القوى التي انغمست في الفساد وشاركت في نظام النهب الذي دمر الاقتصاد الوطني وأفقر الخزينة العامة وأوصل اللبنانيين إلى ما هم فيه من فقر وبطالة وهجرة وإهدار للحقوق الأساسية للمواطن وتدمير للمرافق والخدمات العامة.
هذا الحلم بالعودة إلى ما قبل 17 تشرين لاستعادة منظومة النهب ولتفادي المحاسبة، هو حلم إبليس بالجنة وأبعد.
أما في مسألة التضامن والتكافل الاجتماعيين، فلم ينتظر اللبنانيون وخصوصا الثوار خطاب حسن نصرالله ليمارسوا دورهم في ذلك بأبهى تجليات التضامن والتكافل الاجتماعي في كل المناطق وعلى كل ساحات الثورة. لكن علينا أن نتذكر دائما، أنه إذا كان التكافل الاجتماعي والتعاضد مطلبيْن آنيّيْن ملحيْن كي تتكاتف الناس في أزماتها، فإن ذلك ينبغي ألا ينسينا أسباب المعاناة ولا الجهات التي تسببت فيها. وكلٌ ولينتظر كلٌّ منهم المحاسبة على ما جنته يداه، كلٌ يعني كلٌ وحسن نصرالله واحد منهم.
كاتب لبناني

قيم الموضوع
(0 أصوات)