ardanlendeelitkufaruessvtr

ليس كل ما يقوله الأميركيون ملزما لهم

بقلم علي قاسم كانون2/يناير 02, 2020 114

 

ليس كل ما يقوله الأميركيون ملزما لهم
علي قاسم
يمنح ترامب بتصريحاته المتناقضة حكام طهران فسحة أكبر لارتكاب الأخطاء، ليس عن ضعف، ولكن ليطيل الحبل الذي سيلتف في النهاية على رقابهم.
ترامب رجل يحب السلام لكنه يكره الهزيمة
الجيوش وُجدت ليس لشن الحروب، بل للتهديد بها، وغالبا ما يكون تجنب خوض الحروب أفضل انتصار. لهذا يجنح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للسّلم، ويتوقع من طهران العمل بالمثل. إلا أن هذا ليس بالضرورة مؤشرا على أن المواجهة بين البلدين انتهت، بل على العكس هو دليل على أنها في أوجها.
لا يتوقع ترامب حربا مع إيران ولا يريدها. فهو كما قال، خلال مؤتمر صحافي عقده إثر الهجوم الأخير على السفارة الأميركية في بغداد، رجل يحب السلام. لكنه بالتأكيد رجل يكره الهزيمة ويحب الانتصار.
ولأنه كذلك، توعّد طهران بدفع ثمن باهظ، وحمّلها المسؤولية كاملة عن أيّ خسائر مادية أو بشرية قد تنجم عن أيّ اعتداء على منشآت أميركية.
باستثناء مشاركتها في الحرب العالمية الثانية، ولعبها دورا حاسما في إنقاذ أصدقائها الأوروبيين من الزحف النازي، لم تكن الانتصارات الأكبر للولايات المتحدة تلك التي حققتها في حروبها التقليدية. وبينما هزمت في فيتنام، التي كلفتها حياة أكثر من 58 ألف جندي أميركي، وأكثر من 150 ألف مصاب، نراها في المقابل تحقق أكبر انتصاراتها في حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي. وهو الانتصار الذي أعقبه تفكك الكتلة الشرقية، ودخول معظم أعضائها السابقين في الفلك الأميركي.
يفضل ترامب، مثل الرؤساء الذين سبقوه، إبقاء ملالي طهران سيفا مسلطا على الإيرانيين، وعلى شعوب المنطقة
إن أخذت طهران كلام ترامب، ضمانا يجنبها الحرب، تكون بذلك ارتكبت خطأ فادحا، فليس كل ما يقوله الرؤساء الأميركيون ملزما لهم، هناك أكثر من دليل على ذلك، وترامب أفضل الأمثلة.
سيتابع ترامب اختبار خيار الحصار، وهذا ما سيفعله أيّ رئيس يخلفه في البيت الأبيض. لدى واشنطن الكثير من الوقت للاستمرار بهذه اللعبة، خاصة بعد أن أثبتت قدرتها على توظيفها واستثمارها وتحويلها إلى أرباح اقتصادية وتجارية.
كم من الوقت ستصمد طهران إن اختارت واشنطن الاكتفاء بلعبة الحصار؟ عاما، عامين، ثلاثة.. عشرة؟ لدى واشنطن من الوقت والسلاح والحجة ما يبرر ويضمن استمرار اللعبة، أما طهران فلن تجد ما تعوّل عليه ومن تعوّل عليه للصمود. وما إن تفرغ خزائنها حتى ينفضّ مجلس المشجعين من حولها.
لن تحتاج واشنطن شن حرب تجارية ضد طهران، كما هو الحال مع بكين، فليس هناك تبادل تجاري بين البلدين يبرر حربا مثل تلك الحرب، فالحصار وحده يكفي.
هذا كله لا يمنع من توجيه ضربة عسكرية تستهدف أهدافا محددة من حين إلى آخر، إن تجرّأت طهران على ارتكاب هفوة أو خطأ يستحق العقاب، ولكن أيّ ضربة لن تصل حتما لشن حرب شاملة، شهية الأميركيين ليست مفتوحة لها، وملالي إيران لا طاقة لهم بها.
على مدى أربعين عاما راهن ملالي طهران على “جنود لم يروها”، مفضلين الإشاحة بوجوههم عن هموم الشعب ومشاكله، فانفض الإيرانيون من حولهم، وثاروا على حكامهم في أكثر من مناسبة، نجح الملالي في القضاء عليها مستعينين بجهاز أمن شرس.
لدى واشنطن الكثير من الوقت للاستمرار بهذه اللعبة، خاصة بعد أن أثبتت قدرتها على توظيفها واستثمارها وتحويلها إلى أرباح اقتصادية وتجارية
قد يكون السؤال المنطقي هو، ما مصلحة واشنطن في إسقاط حكم ملالي طهران، وهي التي أثبتت التجارب أنها لا تقدم خدمات مجانية، بل تعمل وفق مصالحها.. أليس “الولايات المتحدة أولا” شعار حكامها وعلى رأسهم ترامب نفسه؟
يمنح ترامب بتصريحاته المتناقضة حكام طهران فسحة أكبر لارتكاب الأخطاء، ليس عن ضعف، ولكن ليطيل الحبل الذي سيلتف في النهاية على رقابهم. وهي اللحظة التي تصبح فيها تلك النهاية منسجمة مع المصالح الأميركية في المنطقة.
يفضل ترامب، مثل الرؤساء الذين سبقوه، إبقاء ملالي طهران سيفا مسلطا على الإيرانيين، وعلى شعوب المنطقة، وهذا يذكرنا بسيف ديموقليس الذي يجعل أصحاب السلطة يعيشون في خوف وقلق دائمين، خشية أن يسقط السيف على رقابهم.
الفيلسوف الروماني، شيشرون، الذي تُنقلُ عنه الحكاية، أراد القول “لا سعادة حقيقية لمن تسيطر عليه المخاوف”، تماما مثل شعوب يسلّط عليها ملالي إيران، لن تشعر بالسعادة هي الأخرى حتى تتخلص منهم.
كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)