ardanlendeelitkufaruessvtr

على هامش المشهد العراقي

بقلم عدلي صادق كانون2/يناير 02, 2020 236

 

على هامش المشهد العراقي
عدلي صادق
يتعرض العراقيون الآن لجبروت الميليشيات ونيران أسلحتها. وهذه الأخيرة تفتح بابا مشكوكا في توقيته لمواجهة مع الأميركيين، في محاولة لإضعاف موقف الكتلة الشعبية، على اعتبار أن الأميركي جاء غازيا ومن أهم الواجبات العمل على إجلائه من البلاد.
الشر يرتد على أصحابه
في هذه الأثناء، إذ يواجه العراقيون المطالبون بالإصلاح، وباستعادة الدولة المدنية المنذورة لجميع مواطنيها؛ شتى أنواع الدسائس وجرائم القتل والاغتيالات، وفجور قوى الشر الرجعية المحلية، الموصولة بإيران؛ ازدادت مكابدة هؤلاء ضراوة، بفعل التحول الأخير إلى المواجهة بين القوات الأميركية وحلفائها القدامى الذين مكنتهم من العراق. وترتسم في هذا المشهد تقاطعات دامية ومفارقات كاشفة لعيوب كل طرف يسعى إلى إحباط انتفاضة الشعب العراقي، من أجل العدالة واجتثاث الفساد واستعادة الدولة المهابة التي تساوي بين مواطنيها، وتمتلك حصريا الحق في الإكراه، نيابة عن المجتمع ولمصلحته وبالقانون، لا تشاركها فيه ميليشيات ولا أمراء حرب وقُطاع طُرق!
لقد تمكنت الكتلة الشعبية، من كل الطوائف، من بلورة الموقف الاجتماعي – الاقتصادي لكافة العراقيين، على النحو الذي يلائم تاريخهم الحضاري، وطموحاتهم إلى تجاوز الطائفية.
وللأسف يتعرض العراقيون الآن لجبروت الميليشيات ونيران أسلحتها. وهذه الأخيرة تفتح بابا مشكوكا في توقيته، لمواجهة مع الأميركيين، في محاولة لإضعاف الموقف الأدبي للكتلة الشعبية، على اعتبار أن الأميركي جاء غازيا، ومن أهم الواجبات العمل على إجلائه من البلاد. في الوقت نفسه، بدت السلطة التي جلبت الأميركي وصنعت ووفرت الغطاء للميليشيات الأصولية الشيعية، في مأزق عميق مع الطرف الميليشياوي الذي صنعته ورعته، وكذلك الطرف الذي جاءت به إلى العراق، وجاء بها إلى السلطة!
من بعيد، يُقرأ المشهد على أنه صراع أميركي إيراني على أرض العراق. أي أن هناك طرفين يتنازعان، على أرض الآخرين أصحاب الحق في العدالة، وفي أن يظفروا بدولة مدنية لا طائفية، وغير مرتهنة للإيراني أو للأميركي.
في السياق الأخطر للتطورات، تأبطت الميليشيات التابعة للإيرانيين، وهي تواجه الشعب، الموقف الذي يزاود- في ظاهره- على الشعب في أمر لا يختلف عليه عراقيان، وهو رفض الوجود الأميركي على الأراضي العراقية. أما في حقيقة الموقف، وفي خلفياته، فإن فتح الميليشيات الصراع مع الأميركيين، جاء بمثابة وصفة إيرانية لتحقق هدفين: الأول إخماد انتفاضة العراقيين، بعد أن عزّتْ وسائل إخمادها، من خلال تعلية الاعتبار الوطني الذي يجعل سيادة العراق منقوصة طالما أن الأميركيين مرابطون على أراضيه، وفي الوقت نفسه، إضافة عنصر آخر، في الضغط على الإدارة الأميركية، على صعيد النزاع الأميركي ـ الإيراني. وفي هذا السياق، يدخل الصراع، بين طرفين، كان واحدهما قد اعتمد على الآخر، لإطاحة نظام صدام حسين والسيطرة على البلاد!
أطلقت ميليشيات “حزب الله” العراقي ما يزيد عن ثلاثين صاروخا على القاعدة العسكرية العراقية K1 في كركوك، ما أسفر عن مقتل مقاول مدني أميركي وجرح العشرات من القوات العراقية والأميركية المتحالفة.
وسرعان ما أرسل الطرف الأميركي طائراته، لقصف مراكز الميليشيا المذكورة، فنجم عن ذلك مقتل نحو ثلاثين عنصرا منها. وانفتح صنبور الدم، بين حليفين سابقين، وَلغا في دم العراقيين، في سنوات الفوضى والنهب والألم. طرف قتل الناس بالجملة أثناء الغزو، وآخر خاض حربا ضد مكوّن آخر من شعبه، فأدماه وأمعن في محاولات إذلاله واستهدافه بالنيران وبنصب الأفخاخ له، وإحالته تعسفا إلى خانة الإرهابيين، والنيل من كرامته وثقافته، وإحالة العراقيين من الطائفتين الأكبر، إلى سادة ينعقد لهم صدر العراق، وعامّة ليس عليهم سوى الطاعة والمسايرة.
في تلك اللُجة، التي أطربت الإيرانيين وأغوتهم بالمزيد من توسيع النفوذ؛ ارتُكبت باسم الدين والمذاهب أقبح الأفعال، وكأن رب العالمين الرحمن الرحيم أجاز لهؤلاء إطاحة قيمة المواطنة والحق المتساوي للمواطنين في بلدهم وثرواته وسلطاته، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق.
ولأن الشر يرتد على أصحابه، فإن كل طرف يواجه اليوم الارتداد الذي يخشاه.
فالأميركي الذي لم يحسب، منذ البداية، حسبته بعقلانية، وجد نفسه متورطا في مكان بعيد، وفي متناول أظافر الإيرانيين، لا يملك مقومات الغلبة مهما كان عدد طائراته وحجم قواته.
والحشد الشعبي يواجه ارتداد مشروعه عليه، من داخل قاعدته الاجتماعية. فهو، في حقيقته، ليس حشدا شعبيا مثلما هي حشود العراقيين في انتفاضتهم، وإنما هو حشد طائفي وثأري!
هذا “الحشد” أعلن أن اللواء 45 التابع له، هوجم بالطائرات الأميركية بالقرب من بلدة القائم الحدودية في محافظة الأنبار. وأشار إلى أن المواقع التي هوجمت، ليست سوى أماكن تخزين أسلحة وذخائر، وأن القوات التي فيها قد أدمجت في الجيش الرسمي للدولة. الأميركيون ردوا بأنهم قصفوا مراكز قيادة وتخطيط لعمليات عنف. وفي الحقيقة، لم يكن هناك دمج فعلي للميليشيات في الجيش. فللجيش مواصفاته وللميليشيات مواصفات أخرى. فهذه الأخيرة ظلت تحتفظ بأنساقها وأسمائها وخارطة انتشارها، على النحو الذي أسهم في إضعاف الدولة التي يريد الاستفادة منها عند الضائقة، بالزعم أنه يتبعها.
صانعو المشهد المأساوي الدامي في العراق، وهم جميعا فاقدون للتقوى استخدموا الدين للنيل من بلد الحضارة والتاريخ المجيد. فبعد أن تسلم الانتقاميون الطائفيون الحكم في العراق، ساعدوا عدوهم الطائفي الآخر على التضخم واحتلال ثلث مساحة البلاد، وفي ذهنهم أن يحققوا هدف دمغ المكون الشعبي السُني، برمته، بذميمة الإرهاب، ولما أنجزوا مهمة تسمين هدفهم وتركوا للدواعش مساحات جغرافية واسعة مع ثرواتها وخزائنها، خاضوا حربهم ومعهم الأميركي والعربي من كل الطوائف. لكن سلوكهم الميداني، هم حصرا، اتسم بروح طائفية انتقامية، إذ رفعوا شعارات ثأر تاريخي ممن لا علاقة لهم لا بدم الحسين ولا بمجلس يزيد بن معاوية في العقد السابع من القرن السادس الميلادي. وللأسف، ارتضى الساسة الطائفيون، مثل هذه الظاهرة الضالة، بل ساعدوا على إخراجها من كهفها المظلم، مثلما أخرج الآخرون الإرهابيون، منحلو الانتماء إلى أهل السُنة، فكرهم الظلامي وهواجسهم ونزعاتهم الإجرامية!
بعد القصف الأميركي لمراكز “حزب الله” العراقي قال مؤسس هذه الميليشيا أبومهدي المهندس “إن دم الشهداء لن يذهب سُدى، وسيكون ردنا قاسيا للغاية على القوات الأميركية في العراق”. وجاء الصدى الإيراني لهذا التصريح الجامح، لكي ينسجم مع سياق التهاجي الإيراني ـ الأميركي “إن الغارات الأميركية مثال واضح على الإرهاب الأميركي”.
ربما يكون تصريح “المهندس” وصداه الإيراني، يقول الحقيقة، ما خلا الوعد بألا تذهب الدماء سدى. فالأرواح التي أزهقتها الميليشيات، لكبح الإرادة الشعبية العراقية، ستذهب سُدى. والحرب التي خاضها الأميركيون في العراق كانت آثمة، وذهبت دماء جنودهم سُدى. وتحالف الأوساط العراقية الحاكمة مع واشنطن، كان آثما سيذهب سُدى. وبمنطق التاريخ، ينكفئ كل البغاة المحليين والأغراب، الذين تعدوا على حق الإنسان في أن يعيش كريما في وطنه.
الأميركيون يتحسبون الآن من رد فعل الميليشيا، ويعرفون أن ما هم بصدده، ليس إلا أحد مسارح شد الحبل بينهم وبين الإيرانيين. أما العراقيون، فهم ماضون موحدين في طلب دولة العدالة التي لا تزال تهتف، طلبا للعدالة والشفافية، وامتناع تجار الدين الكاذبين عن التحكم في مصائر البلد والعباد!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)