طباعة

"شهيد القدس".. وسقوط الانتخابات الفلسطينية

بقلم مروان كنفاني كانون2/يناير 09, 2020 130

 

"شهيد القدس".. وسقوط الانتخابات الفلسطينية
مروان كنفاني
ليس هناك من سبيل لتغيير المسار الراهن المتجه نحو كارثة حقيقية سوى اتفاق الفلسطينيين أنفسهم على العمل سويا.
"شهيد القدس" لقب خصصه الشعب الفلسطيني لقائده الخالد ياسر عرفات
يتطلب الواجب الوطني أن نعرّج على أزمة خطيرة في تطوّر أوضاع الشرق الأوسط ودوله وأحزابه وسلامه وحروبه وتحالفاته، وما يصدر عن قادتها وقادة الأحزاب من تصريحات تعكس قناعاتهم وميولهم الحقيقية، والتي تعبّر عن معان ومضامين سياسية.
لا ينكر أحد حق الأخ إسماعيل هنية، رئيس حركة حماس الفلسطينية، القيام بجولات سياسية يدعم فيها قضية الشعب الفلسطيني ونضاله في سبيل تحقيق أهدافه الشرعية، وحقّه في اختيار الحلفاء والأصدقاء والبرامج السياسية.
لكن أن يختار الزعيم الحمساوي لقب “شهيد القدس” لقاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني الذي لقي مصرعه مؤخرا، فهذه سقطة لها دلالات سياسية كبيرة، لأن هذا اللقب هو الذي اختاره وخصصّه الشعب الفلسطيني لقائده الخالد الشهيد ياسر عرفات من بين كل الألقاب التي كانت كافية لتوفي الغرض الذي أراده.
توحي المقارنة بمعان تجرح مشاعر الأغلبية الساحقة للشعب الفلسطيني، فكيف يمدّ رئيس المكتب السياسي لحماس ذراعيه من إيران عبر آلاف الأميال إلى أرض فلسطين لينبش قبرا عزيزا على الفلسطينيين. قبر راقد على أكناف القدس الشريف، وينزع عن ساكنه لقباَ وشّحه به منذ فترة الشعب الفلسطيني، عرفاناَ لنضاله.
ليس هذا هو العرفان والاحترام الذي حفظه الرئيس الشهيد ياسر عرفات لشهيد حماس وقائدها الشيخ أحمد ياسين الذي ما ذكره إلاّ بلقب الشيخ الجليل الذي وشّحه به ولم يستعمله إلاّ له.
تكشف بعض الكلمات العاطفية الكثير من المعاني السياسية، والتي تشير إلى واحدة من العلامات التي تكرّس الانقسام. وتجعل من أيّ توجه لإعادة اللحمة الوطنية محفوفا بالمخاطر. ولذلك من الطبيعي أن تتباعد المسافات حول الاستحقاق الانتخابي الذي استبشر به قطاع كبير من الشعب الفلسطيني، لكنه أصبح بعيد المنال.
يدرك الشعب الفلسطيني، والعالم بأسره، أن شجاعته ووحدته، وليس وفرة السلاح وتنوعه، هي التي مكّنته من إنقاذ الأرض الجنوبية منذ نكبة فلسطين. وحافظت الأجيال الفلسطينية على تلك الأرض، قبل أن تكون هناك حركة فتح ولا حركة حماس، أو ترتيبات سياسية إقليمية.
خاض الشعب معارك شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الانتفاضة الأولى ومعارك النفق المقدسي والانتفاضة المجيدة الثانية، وأنزل أكبر الخسائر التي تلقتها إسرائيل قبل أن تكون لديه صواريخ وأسلحة متقدمة.
وحدة الشعب الفلسطيني وتضحيات وشجاعة شبابه، من حركتيْ فتح وحماس، والفصائل الفلسطينية برمتها، وليس الصواريخ، هي التي ساعدت على الاحتفاظ بذلك الجزء الغالي من الوطن، ولا اتكال على أحد ولا منّة من أحد.
تؤدي التطورات المتلاحقة في المنطقة، إلى أن ترخي بظلالها على الأوضاع الفلسطينية التي بدأت تكتسي بقدر من النشاط بعد الإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
لكن يبدو الآن أن الوصول إلى هذه الانتخابات أصبح من الماضي الذي حلم به الشعب الفلسطيني ولم يتمكّن من إنجازه. ومن السهل إلقاء هذا الفشل على إسرائيل للتخلص من تقصيرنا، كما فعلنا دائما في تغطية فشلنا.
من المفهوم والمعلوم أن إسرائيل لا تريد إجراء أو إنجاز يشير أو يدعم الوجود الفلسطيني على الأرض، أو يعطي قبولا دوليا لكيانية ذات استقلالية سياسية في دولة قابلة للحياة، متصلة وذات سيادة، أو تمدد سيطرة حركة حماس على الضفة الغربية.
قد تكون الانتخابات ممكنة فيما لو تم التوافق بين الفلسطينيين، أنفسهم، على إجرائها واتفقت الفصائل والأحزاب والحركات على خوضها.
إن اتفاقا فلسطينيا على جدول زمني وبرنامج سياسي مشترك، مع دعم عربي ودولي، كان كفيلا بتجاوز كافة أو معظم العراقيل والشروط التي تضعها إسرائيل أمام ذلك الهدف الفلسطيني.
سوف يقود فشل التوصل إلى إجراء الانتخابات إلى وضع فلسطيني في غاية الصعوبة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والمعيشية، وقد يطيح بالإنجازات المحدودة التي تحققت له في العقود الماضية.
هل انتهى الحلم الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية؟ هل ستبقى في المستقبل القريب فلسطين واحدة؟ هل تستمر الأوضاع على ما هي عليه في وقتنا الحاضر؟ أم سوف يتم فصل ما تبقى لنا من أرض فلسطين إلى الجزء الشمالي والشرقي، وربما إمارة أو فلسطين الحمساوية في الجزء الجنوبي، على غرار دولة قبرص وقبرص التركية، وكلاهما خاضعان لشروط اتفاق أوسلو؟
هل سيتم اعتراف عربي ودولي بالكيانين الجديدين؟ وهل تنقسم دول العالم العربي حول الدولة أو الدولتين الفلسطينيتين؟ وهل يزداد التقارب العربي – الإسرائيلي؟ هل تسقط المقاومة وتخضع حركة حماس لتنازلات كبيرة للتمتع بدولة في قطاع غزة؟ هل سيتم اعتراف متبادل بين فلسطين حماس وفلسطين فتح، ويتم تبادل السفراء أو الممثلين بينهما؟ هل يصدر الطرفان جوازات سفر مختلفة ويتم شق طريق آمن بينهما؟ ومن منهما سوف يمثل فلسطين في الجامعة العربية وفي منظمة الأمم المتحدة؟ ومن منهما يتسلم الإعانات الدولية المالية والعينية؟
تبدو هذه الأسئلة غريبة وبعيدة عن الواقع، لكنها أسئلة في الصميم وسوف تصدم الفلسطينيين بمرور الزمن واستمرار الانقسام وتعنّت حركتي فتح وحماس وتعارض تحالفاتهما العربية والإقليمية والدولية.
مع كل هذه التعقيدات، لا زالت هناك فسحة من الأمل والوقت للعمل لإنقاذ الشعب الفلسطيني من مصير قاس، ونهاية تمسح وتلغي عقودا طويلة من كفاح الشعب وتضحياته وشهدائه وجرحاه ومعتقليه.
تستطيع الحركتان اللتان قادتا النضال وقدمتا التضحيات إعادة الأمل في مستقبل واعد للشعب الفلسطيني وشعوب الأمة العربية التي واكبت نضالنا ودعمته، ولكل الشعوب والحكومات في العالم التي تؤيّد أهدافنا في إعادة اللحمة لشعبنا والاتفاق على الأهداف المشتركة والتوصل لبرنامج سياسي مشترك.
يتساءل الفلسطينيون، ومعهم شعوب العالم العربي، عن السبب الذي يدفع قادة الحركتين الفلسطينيتين الأكبر للتجول في أنحاء العالم والاجتماع مع قادة الدول، ولا يفكّر أحد منهم بلقاء نظيره الفلسطيني الذي يبعد عنه مسافة قصيرة؟
ما الذي يدفع إلى اتخاذ مواقف عدائية من بعضهم البعض وهما أبناء شعب واحد؟ قد يكون هذا من الأسباب التي تشرح لماذا لا يقترح، أو يطالب، رئيس عربي أو مسلم بالتدخل من أجل لقاء قمة فلسطيني – فلسطيني كما يتم يوميّا في عواصم عربية وإسلامية وأفريقية متعددة لقيادات متعارضة.
ليس هناك من طريق أو سبيل لتغيير المسار الراهن المتجه نحو كارثة حقيقية سوى اتفاق الفلسطينيين أنفسهم على العمل سويا. كما لن يتمكّن أيّ فصيل من الانتصار عبر تكتيل التحالفات والانحيازات الإقليمية، وإن حصل على كل أموال العالم وكسب اعتراف دوله، أو تمكّن من الحصول على كل أسلحة العالم وصواريخه.
مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات

قيم الموضوع
(0 أصوات)