ardanlendeelitkufaruessvtr

الفيسبوك.. يُدنينا ويُقصينا

بقلم رشيد الخيون كانون2/يناير 23, 2020 448

 

 

الفيسبوك.. يُدنينا ويُقصينا
رشيد الخيون
شكرا للفيسبوك الذي أعاد لي الماضي عبر ابنة محسن، وحفظتُ عبره الماضي أيضاً بحجب صداقة مَن أراد حرقه.
فيسبوك يعيد الذكريات بلذة الماضي
كنت أمنّي النَّفس بلقاء صديقٍ شقيقٍ، لم نفترق مِن المدرسة المتوسطة والثَّانوية والدّراسة ببغداد والخدمة العسكرية فالوظيفة، ثم انقطعنا أكثر لزمن طويل، فبين رسالته الأولى والأخيرة ربع قرنٍ، في هذه الرِّسالة أفاض محسن صكر بما جرى له، خلال الحرب العراقية الإيرانيَّة، والتَّنقل مِن بلدة إلى أُخرى تبعاً لوظيفته. ذكرني بلقائنا بالشَّاعر عبدالأمير الحصيري (ت 1978) مصادفةً، وهو يحمل قدميها على شاطئ أبي نواس، فهو القائل “… تهربُ من أقدامي الطُّرقُ”!
عندها خاطبته مِن بعيد بصوت عالٍ “أنا الإلهُ وندماني ملائكةٌ/ والحانةُ الكون والجُلاس ما خُلقوا/ والنَّادلون وإن غنت كؤوسهمُ/ كالأنبياء بنورِ الخمرِ قد عبقوا”، والبيتان مِن جزيل شعره. فرد قائلاً “حافظها، ولك، حافظها”، واستمر ماشياً بتثاقل.
غير أن ما منيتُ نفسي به، مِن اللقاء بعد طول غياب عن محسن، حرقته رسالةٌ وردتني تحمل نبأ وفاته، كان محسن مدخناً منذ المدرسة المتوسطة، وما ترك التدخين حتى صلبت شرايين قلبه، وكم حاول زجي في تجربة التدخين فلم أقدر على ذلك، فكان يُعيّرني بعدم النُّضج كي أكون مدخناً.
انقطعت أخبار أسرته عني، بعد أن أعلمني بزواجه ولديه ثمانية أطفال، لكن ليس لي طريق إليهم، وخصوصاً أن إخوانه انتهوا بين قتيل ومَن مات حتف أنفه. قبل أيام أتاني طلب صداقة مِن فتاة، تخوض غمار التظاهرات الآن مع بقية الشَّباب، فقبلتها من دون الالتفات والرَّبط بين صاحبي واسم أبيها، فما أكثر اسم محسن بالعراق.
كتبت لي رسالة أنقلها كما وردت “آسفه لأن دا أكتب لك، بس من ضفتك، لفت نظري اسمك، كان لأبوية محسن صكر صديق مثل اسمك، وقارية رسائلهم لبعض”! عاد لي محسن عن طريق ابنته، وتعرفت على أخبار أسرته، ومَن كنا على صلةٍ بهم، لكنَّ الذين أعرفهم غادروا كافة، ولم يبقَ غير مَن ولدوا بعد فراقنا، ولهم الفضل بتذكرنا.
فإذا أعاد لي الفيسبوك ذكرياتِ، أعيشها بلذة الماضي، وصفاء الصَّداقة، التي تتعدى الأخوة والقرابة، أقصى آخرين ممّن لم يُقدّروا الأواصر الإنسانية، وسنوات العيش المشترك في الأتراح والأفراح، فانتهت صداقات عبره أيضاً، لتعليق خادش قاسٍ، ولكي تحتفظ بالماضي تلغي صداقة مَن لم يُقدر الصَّداقة، فالرَّد ليس بنافعٍ. للتوحيدي (ت 414 هـ) “إذا نازعك إنسان فلا تجبه، فإن الكلمة الأُولى أُنثى وإجابتها فحلها، وإن تركت إجابتها بترتها، وقطعت نسلها” (الإمتاع والمؤانسة). فشكراً للفيسبوك الذي أعاد لي الماضي عبر ابنة محسن، وحفظتُ عبره الماضي أيضاً بحجب صداقة مَن أراد حرقه. يقول الرَّصافي (ت 1945) في بلوته مع العِراق (1922) “هي المواطن أُدنيها وتقصيني/مثل الحوادث أبلوها وتُبليني”.
كاتب عراقي

 

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)