ardanlendeelitkufaruessvtr

قطيعة في الحوار الثقافي بين المشرق والمغرب

بقلم حسونة المصباحي كانون2/يناير 28, 2020 115

قطيعة في الحوار الثقافي بين المشرق والمغرب
حسونة المصباحي
الحوار الثقافي بين المشارقة والمغاربة استمر حتى نهاية القرن العشرين، لكنه بدأ في التقلص منذ بداية الألفية الجديدة.
محمد عابد الجابري رمز للحوار الثقافي
في الثمانينات من القرن الماضي، تابع القراء العرب على أعمدة الصحف والمجلات، خصوصا منها تلك التي تصدر في المهجر الأوروبي، جدلا مفيدا بين المثقفين المشارقة والمغاربة حول العديد من القضايا الهامة، سياسية وفكرية وثقافية ودينية، وغيرها.
وقد سمح ذلك الجدل الساخن الذي شارك فيه مفكرون مرموقون أمثال المغربي محمد عابد الجابري، والتونسي هشام جعيط، والسوري جورج طرابيشي، والفلسطيني فيصل دراج، واللبناني فيصل جلول، والمصري حسن حنفي، والجزائري محي الدين عميمور، في كشف فضائل المشارقة على المغاربة، والعكس بالعكس.
ومن وحي ذلك الجدل الذي استمر سنوات عدة، أصدر محمد عابد الجابري كتابا حمل عنوان “الحوار بين المغرب والمشرق”، ضمنه أهم المحاور والأفكار التي أبرزها الحوار المذكور…
ومعلوم أن العلاقة بين المشرق والمغرب نشأت بعد انتشار الإسلام في كل من ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب لتصبح اللغة العربية لغة رسمية في هذه البلدان مُزيحة اللغة اللاتينية، ومُقلصة من حضور اللغة الأمازيغية أو البربرية.
من وحي الجدل الطويل حول فضائل المشارقة على المغاربة، والعكس بالعكسمن وحي الجدل الطويل حول فضائل المشارقة على المغاربة، والعكس بالعكس
وفي البداية، كان المغاربة يتوجهون إلى المشرق للدراسة، والاستفادة من علماء وأدباء دمشق، وبغداد، والبصرة، والكوفة وغيرها من حواضر الخلافة الإسلامية المشهورة بمدارسها في مختلف المجالات. وانطلاقا من القرن العاشر، ومع نشوء مدارس وجامعات في مدن مثل تونس والقيروان وفاس، وأيضا في كبريات المدن الأندلسية، خفتت هجرة طلبة العلم والمعرفة إلى بلدان المشرق العربي، خصوصا بعد أن أحس أبناء بلدان المغرب بما يمكن أن نسميه بـ”الاكتفاء الذاتي” في المجال الثقافي والمعرفي.
وقد توطد الشعور بـ”الاكتفاء الذاتي” لديهم بعد أن برز بينهم شعراء، وكتاب ومفكرون وفلاسفة مثل ابن رشد، وابن طفيل، ابن باجة، وابن خلدون، ابن عربي، وغيرهم. مع ذلك ظل تطلع أبناء المغرب إلى المشرق قائم الذات. ولعل هذا ما يفسر هجرة ابن عربي إلى دمشق، وهجرة ابن خلدون إلى القاهرة. وقد نفسر هجرة الأول بالبحث عن فضاء روحي أكثر اتساعا وثراء. أما هجرة الثاني فأسبابها متعددة، لعل أهمها سعيه لمعرفة علل تدهور الحضارة العربية-الإسلامية، وضيقه بعلماء وشيوخ تونس الذين تآمروا ضده بعد أن أدركوا اتساع معارفه، وبعد نظره، وقوة حججه، ورجاحة فكره.
مع عصور الانحطاط، انقطعت العلاقة الثقافية والفكرية بين المشرق والمغرب، ولم تستعد عافيتها إلاّ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي في تلك الفترة التي أشعّت فيها أفكار حركة النهضة التي أيقظت العرب من جمودهم الطويل، ممهدة لحوار مفيد بين المصلحين المشارقة والمغاربة، وموثقة الصلات بينهم لتبادل الأفكار والآراء حول مختلف القضايا التي تهم حاضرهم ومستقبلهم.
ورغم المسافات والأبعاد، ومصاعب الاتصالات، فإن أفكار حركة النهضة كانت تنتقل بسرعة بين مختلف البلدان المشرقية والمغربية ليتأثر بها كتاب وشعراء ومفكرون ومصلحون اجتماعيون وسياسيون كانوا يتصرفون في غالب الأحيان وكأنهم ليسوا معنيين فقط بمشاكل وقضايا بلدانهم، بل بكل ما يشغل العرب من المحيط إلى الخليج. لذا ليس من الصدفة في شيء أن يحظى المصري طه حسين بلقب “عميد الأدب العربي”، وأن يتجاوز ناقد حصيف مثل مارون عبود حدود بلاده لبنان، ليعنى بأدباء سوريين ومصريين وعراقيين وتونسيين. وليس من الغريب أن يشتهر الشابي في مصر بعد أن نشر قصائده في مجلة “أبولو” في حين كانت أبواب النشر والاعتراف موصدة أمامه في موطنه. وكان القراء يشعرون وهم يرددون قصيدة “أنشودة المطر” أن السياب لا يبكي أوجاع العراق وحده، بل أوجاع كل بلد عربي من صنعاء إلى مراكش. كما أن مفكرين من أمثال المغربي عبدالله العروي، والسوري الطيب التزيني، واللبناني كمال مرة وآخرون، انشغلوا في أعمالهم بمعالجة قضايا تتجاوز حدود بلدانهم لتشمل العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
ويمكن القول إن الحوار بين المشارقة والمغاربة ظل مستمرا حتى نهاية القرن العشرين، لكنه بدأ في التقلص والضمور منذ بداية الألفية الجديدة. ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها أن كل بلد عربي سواء من المشرق أو المغرب أصبح يركز اهتماماته على مشاكله وقضاياه الخاصة به. لذا باتت نخبه منشغلة بذلك انشغالا يلهيها عن مشاكل وقضايا البلد العربي المجاور أو البعيد. كما أن مقولة “القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ” أصبحت ملغاة بعد أن تعددت المراكز الثقافية والأدبية، وانخرطت بلدان المغرب، وبلدان الخليج في الحركة الثقافية والفكرية والفنية، موسعة الآفاق، ومبرزة أسماء لامعة في الرواية، وفي الشعر، وفي الفكر، وفي البحوث التاريخية والاجتماعية، وفي مجالات عديدة أخرى لتشعر النخب في البلدان المذكورة أنها باتت تحظى بـ”الاكتفاء الذاتي” على المستوى الإبداعي والفكري.
ومع التطور الهائل الذي تشهده وسائل الاتصال الحديثة، لم يعد المثقف العربي سواء من المشرق أم من المغرب مشدودا إلى مركز معين، بل هو يجد نفسه سابحا في محيط هائل الاتساع الذي هو العالم بأسره…
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)