ardanlendeelitkufaruessvtr

أي دور للعرب في ما يجري على الأرض السورية

بقلم مروان ياسين الدليمي أيلول/سبتمبر 01, 2016 95

أي دور للعرب في ما يجري على الأرض السورية
مروان ياسين الدليمي
مع دخول دبابات الجيش التركي إلى داخل الأراضي السورية في 24 أغسطس يكون عقد الأطراف المتحكمة بالصراع السوري قد اكتمل للبدء بمشروع تقاسم مناطق النفوذ في ما بينها، وعلى ما يبدو فإن الاتفاق قد تم على الخطوط العريضة وربما على التفاصيل الصغيرة.
إلاّ أن ما يلفت الانتباه هو الغياب شبه التام لأي طرف عربي في هذا التحرّك الذي سيتمخض عنه واقع جيوسياسي ستشهده أرض الشام، بموجبه سنكون أمام تاريخ جديد يوقف ذاكرتنا عند حدوده وحواجزه، ولن يُسمح من بعده للسوريين على وجه الخصوص والعرب عامة بأن يتجولوا في شوارع ومدن كانت للمئات من السنين، وإلى الأمس، جزءا من ذاكرتهم الجمعية ومشاعرهم الوطنية والإنسانية، ولتنفصل هذه الذاكرة عن نفسها بعد هذا التاريخ بنقاط تفتيش وأسلاك شائكة وربما بمكاتب حدودية لتدقيق جوازات السفر، مما يعني أن ذاكرتنا ستكون في حالة انفصام نفسي وعقلي ووجداني.
هنا تطرح مجموعة تساؤلات: هل غياب العرب يمكن تفسيره على أنه يأتي نتيجة ضعف أدائهم السياسي، أم أن القوى الإقليمية والدولية المتحكمة في الصراع السوري لم تسمح لأي طرف عربي بأن يكون له دور في ما يجري من تحركات لتقرير مصير ومستقبل سوريا والذي هو بالنتيجة مستقبل المنطقة، أم أن الأطراف العربية ما عادت تملك من إمكانات الضغط نتيجة ما يعصف بها من أزمات داخلية؟
كل الاحتمالات التي تتضمنها هذه الأسئلة واردة، وربما هناك من الأسباب ما لم يتم الكشف عنه، كأن يكون هذا الغياب هو جزء مـن الخطة ويأتي في سياق عملية تفاهم تم الاتفاق عليها مع اللاعبين الرئيسين.
في كل الأحوال ما هو مهم في هذه المسألة أن نقر أن العرب غابوا أو غيّبوا أنفسهم في لحظة مصيرية من تاريخهم ولحظة مفارقة في تاريخ بلد عربي مهم وعريق مثل سوريا، وسيتحملون نتائج هذا الموقف بكل تداعياته وانشطاراته التي ستنعكس على أوضاع بلدانهم. ولن يجدي نفعا تفادي ذلك، فشظايا الحدث السوري حارقة، ويوما بعد آخر نجدها تمتد لتصل إلى أماكن بعيدة لم تكن في حسابات الكثيرين إمكانية أن تصل إليهم؛ لكنها وصلت.
ما يجري في سوريا اليوم يحمل دلالة واضحة على أن هناك تفاهما متبادلا بين الأميركان والروس والأتراك والإيرانيين والنظام السوري رغم غياب التفاهم في ما بين هذه الأطراف على عدد من الملفات الأخرى.
الصراع الدموي الذي تشهده الأرض السورية، بما يشهده هذه الأيام من تحركات عسكرية ودبلوماسية عناصرها القوى الدولية والإقليمية المعنية والفاعلة فيه، يشير إلى أننا نواجه تنفيذ خطوة متقدمة من الخطة القاضية بتقسيم الجغرافيا السورية.
وليس مستبعدا أن مدينة داريا كانت الخطوة الأولى في مشروع التقسيم بعد الاتفاق الذي عقد بين النظام الحاكم في دمشق والفصائل المسلحة المعارضة التي كانت تتحصن به وبموجبه تم إخلاؤها تماما من السكان والمسلحين.
النظام الحاكم في دمشق كان أول المبادرين والساعين في مسألة التقسيم عندما تخلّى عن الحسكة في مراحل مبكّرة من الصراع ودون قتال لصالح وحدات حمـاية الشعـب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي بعد أن وجد نفسه يواجه حربا شرسة في طول البلاد وعرضها وعلى أكثر من جبهـة من قبـل فصائل المعارضة السورية.
مدينة حمص التي تم تشريد أكثر من مليون نسمة منها منذ بدء الحرب بعد أن كانت قد تعـرضت إلى قصف عنيـف بالبراميل المتفجرة أصبح مصيرها اليوم أمام لحظة وجودية، لتكون الهدف الثاني للنظام بعد داريا فهي جزء من مشروع “سوريا المفيدة” الذي يضم، بالإضافة إلى العاصمة دمشق، مدينتي حمص وحماه، وكذلك الساحل السوري المطل على البحر المتوسط.
إيران، قبل النظام السوري، تسعى إلى تحقيق مشـروع “سوريـا المفيدة”، وهذا يلتقي في جوهره مع إستراتيجيتها بعيدة المدى في المنطقة العربية والتي تهدف إلى تفتيت المجتمعات في الدول العربية إلى إثنيات وقوميات منغلقة وكيانات صغيرة معبأة بمرجعية أيديولوجية محتقنة ومحقونة بروافد ماضوية تتقاطع بجميع مسمياتها مع مفهوم الهوية الوطنية الجامعة.
وهذا ما تلتقي فيه إيران مع المشروع الأميركي، الذي تم تطبيقه في العراق بعد العام 2003. كما أن إيران لديها هدف حيوي يتعلق بتطلعاتها الاقتصادية بالدرجة الأولى، وذلك بسعيها للحصول على “شرفة تطل من خلالها على البحر الأبيض المتوسط”.
ولأن نظام طهران يدرك جيدا استحالة قبول تمدده بين العرب السنـة الـذين يشكلـون 80 بالمئة من سكان سوريا بعد تورطه في عمليات قتلهم وتهجيرهم فإنه يسعى من خلال مشروع “سوريا المفيدة” إلى تأصيل نفوذه في منطقة محددة تتوفر فيها أرضية طائفية يتماهى معها ويشعر بالاطمئنان بين ظهرانيها.
إذن مخطط التقسيم بدأ تنفيذه من سوريا، وربما يعتقد البعض أن الأميركيين قد انقلبوا على قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد عندما طلبوا منهم الرجوع إلى شرق الفرات، لكن، بتقديرنا هذا أمر ليس واردا في حسابات الأميركان، فمنطقة شرق الفرات التي يتواجدون فيها ممثلة بالحسكة والقامشلي هي من ضمن الصفقة التي تم الاتفاق عليها بين الأطراف المعنيـة بخطة التقسيم. والأميـركيون كـما هو أسلوبهم المعتاد في إدارة أزمـات المنطقة لابد لهـم مـن أن يلعبوا بـورقة ما للضغط على بقية الأطراف حتى آخر لحظة من الصراع، ولهذا سيكون من المستبعد أن يفرطوا فيها.
وفي ما يتعلق بتركيا يمكن القول إن ما حصلت عليه يبقى خطوة في إطار منطقة النفوذ التي تطمح للهيمنة عليها، وكل ما تفكر فيه الآن يتلخص في كيفية توسيع هذه المنطقة، والعملية العسكرية المشتركة التي قامت بها مع فصائل من الجيش الحر تحقق مصالح الطرفين طالما تقطع الطريق على قوات سوريا الديمقراطية في الاستمرار بما بدأته من عمليات تغيير ديموغرافي في عدد من القرى والبلدات في الشمال السوري كانت قد طالت السكان العرب والتركمان كما أشار إلى ذلك عدد من تقارير منظمات دولية.
كما أن التحرك التركي يهدف ـ وهذا ما عبر عنه أكثر من مسؤول تركي ــ إلى إيقاف تمدد الإقليم الكردي إلى منطقة غرب الفرات، وفي حالة قيامه ينبغي أن يبقى محصورا في منطقة شرق الفرات، وهذا التصور ليس بعيدا عن الرؤية الأميركية إن لم يكن تنفيذا لها.
بنفس الوقت فإن الخطوة التركية العسكرية تحمل في أبعادها المستقبلية خطورة على المسألة السورية، وليس مستبعدا أن تكون لها نتائج وتداعيات مستقبلية ربما ستضع أنقرة في مواجهة مع من هم اليوم أصدقاؤها وحلفاؤها في الميدان، إلاّ أن هذه المواجهة ستبقى على المدى المنظور مؤجلة إلى حين، طالما هناك تهديدات مشتركة تواجه تركيا وحلفاءها من السوريين.
إذن تركيا اليوم موجودة في قلب الملف السوري مثل روسيا وإيران وأميركا، رغم الترجيحات باحتمالية أن تغرق شيئا فشيئا في هذا المستنقع مع وجود الملايين من اللاجئين السوريين الذين يقيمون على أرضها والقذائف التي تتساقط على مدنها الحدودية طيلة الفترة الماضية قادمة من سوريا، وليس مستبعدا أن يستمر تساقط القذائف ومسلسل التفجيرات حتى بعد توغلها داخل الأراضي السورية.
نقطة الخلاف ما بين تركيا وواشنطن تكمن في المرحلة القادمة التي ستعقب السيطرة على ما يحيط جرابلس من قرى وبلدات وصولا إلى منبج التي ستكون بمثابة نقطة الفصل بينهما، فهل ستقدم واشنطن الدعم للأتراك في عملية تقدمهم نحوها وانتزاعها من سلطة قوات سوريا الديمقراطية أم سيكون لها موقف آخر؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.
كاتب عراقي



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)