ardanlendeelitkufaruessvtr

سيرفانتس بنى جسرا بين الحكاية والرواية

بقلم حميد سعيد شباط/فبراير 15, 2020 471

 

سيرفانتس بنى جسرا بين الحكاية والرواية
حميد سعيد
سيرفانتس يحسم أمر العلاقة بين الكاتب والرواية بقوله “إن قريحة فاسدة التهذيب، وعقيمة مثل قريحتي لا تلد إلا تاريخ ولد جاف، شاذ، مليء بالأفكار المتناقضة".
في قراءاتي، هناك عدد من المؤلفات اعتدت العودة إلى قراءتها بين وقت وآخر، منذ أن قرأتها للمرة الأولى، ومنها ما قرأته منذ زمن بعيد، وطالما بدأت كل عودة إلى هذا الكتاب أو ذاك، بحنين جارف إليه، ثم تكون القراءة الجديدة، التي أكتشف فيها ما لم أكن قد اكتشفته في قراءاتي السابقة، وليست الكتب التي أعود إلى قراءتها من جنس معرفي واحد، فقد يكون ديوان شعر أو كتابا في التاريخ أو بحثا فكريا، أو رواية أو سوى ذلك من كتب ومؤلفات.
ومن الروايات التي أعود إلى قراءتها “موبي ديك” لملفيل و“الأحمر والأسود” لستندال و“الساعة الخامسة والعشرون” للشاعر الروماني قسطنطين جورجيو و“صمت البحر” لفيركور، وعدد من روايات ديستوفسكي، وروايات أخرى مثل “دون كيخوته” لسيرفانتس، التي تمتد علاقتي بها إلى اليوم الذي اطلعت فيه على ترجمتها إلى العربية من الإسبانية التي أنجزها شيخ المترجمين في عصرنا الدكتور عبدالرحمن بدوي.
وقد استمعت خلال إقامتي في إسبانيا إلى من يأخذ على هذه الترجمة بعض المآخذ، لكنني لم أجدها مآخذ جوهرية، كما استمعت إلى من يشكك بمستوى معرفة الدكتور بدوي باللغة الإسبانية، معرفة تؤهله لترجمة هذه الرواية الاستثنائية، في إشارة إلى صعوبة لغتها التي تنتمي إلى القرن السادس عشر.
لقد اطلعت في أحد المصادر المغربية ما يؤكد قيام التهامي الوزاني بترجمة أخرى من الإسبانية في أربعينات القرن العشرين، وقد تحدث عنها إبراهيم الخطيب بإعجاب وتقدير، كما أشار الخطيب إلى ترجمات أخرى، حيث ظهرت في الجزائر ترجمة جزئية عن الفرنسية في العام 1898 كما صدرت في القاهرة في العام 1923 ترجمة موجزة قام بها عبدالقادر رشيد.
لقد سبق لي في ما كتبت عن سيرفانتس أن تحدثت عن زيارة قمت بها إلى منطقة لامنتشا وهي أحد الفضاءات المكانية المهمة لرواية دون كيخوته، وكانت هذه الزيارة برفقة الشاعر والأكاديمي الفلسطيني الدكتور محمود صبح، حيث دارت على أرض لامنتشا، معارك الفارس الحزين مع طواحين الهواء، وحين اقتربنا من طواحين الهواء الرمزية المقامة هناك من قبل عدد من الدول، بينها العراق، وكنا طيلة الطريق من مدريد إلى لامنتشا في حديث عن سيرفانتس ورائعته ومصادرها، يومها سألني صاحبي، إنْ كنت أحسست عبر علاقتي بالمواطنين الإسبان، بأن داخل كل واحد منهم بعض ما في دون كيخوته، فأجبته بالقول: لا أتذكر تحديدا أين قرأت، أن داخل كل إنسان أصداء دون كيخوته.
إذ ينسب سيرفانتس الرواية إلى راو عربي هو سيدي حامد بن الأيلي، فهذا معنى كبير الأهمية، في علاقتها بالحكاية الشفهية
كان صاحبي يتأمل طبيعة لامنتشا، ثم يقول: إن مثل هذه الطبيعة لا بد أن تفعل فعلها في ظهور شخصية مثل دون كيخوته، ومثل هذه الخاطرة عبر عنها ج.ب بريستلي، حين وصف رواية دون كيخوته بأنها أعظم فكرة اهتدى إليها كاتب، بقوله “إن السيد الكهل الذي يعيش منعزلا في لامنتشا، جعل من نفسه بعد سنين من أحلام اليقظة وقراءة القصص الخيالية، دون كيخوته الفارس السائح”. ويكمل بريستلي هذا الوصف، ويجعل منه حالة إنسانية، لا يختص بها الفارس الحزين، حيث يقول “وهذا ما نفعله كلنا، بل ما تفعله الدنيا جميعا، حين تتحدى الوقائع، أوهاما عزيزة”.
وإذ يؤكد مؤرخو الأدب أنها أول رواية أوروبية، فإن هذا التأكيد يجعل منها الجسر الأول بين الحكاية الشفهية والرواية الأوروبية المكتوبة، وإذ ينسبها سيرفانتس إلى راو عربي هو سيدي حامد بن الأيلي، فهذا معنى كبير الأهمية، في علاقتها بالحكاية الشفهية، فهي تشير إلى لحظة تاريخية في الوصل والقطيعة بين المروي الشفهي والمكتوب، لذا نسبها بعضهم برمتها إلى الراوي الشفهي ابن الأيلي، وبالغ بالقول، إن من كتبها هو الموريسكي أحمد البنذنجلي، ومما يلفت النظر على هذا الصعيد، إن باحثا إسبانيا هو خيمينيث كاباييرو أشار إلى إمكانية أن تكون الرواية من وضع مؤلف مغربي، ربما كان اسمه السيد أحمد أو حامد النخلي.
وعندي إن من غير الموضوعي الفصل بين سيرفانتس ودون كيخوته، بين الكاتب وهذه الرواية، لأنها تتضمن مؤشرات سيرة ذاتية، حيث يختفي الكاتب وراء الفارس “الخيالي” وخادمه سانشوبنثا “الواقعي” في آن واحد.
وإذا كان الكاتب ضحية حروب التعصب التي عانى منها، وعاد إلى وطنه بعد سنين الأسر في الجزائر وهو يحمل آثارا جسدية ونفسية، ليقضي بقية عمره في وظيفة حكومية هامشية وفي بلدة نائية.
وهو يحاول أن يضمد جراحه بقراءة قصص الفروسية والاستماع إليها، فهذا ما قاده إلى كتابة روايته، حيث دفع كيخوته فيها إلى جموح الخيال، وفي الرواية إشارة واضحة إلى الكاتب من خلال الحديث عن دون كيخوته الذي كان ضحية ما أوحت به إليه تلك القراءات، كما تحدث عن ذلك أقرباء وأصدقاء الفارس الحزين، رجل الدين والأكاديمي والحلاق، حيث نرى سيرفانتس مثلما نرى دون كيخوته. ويحسم سيرفانتس أمر العلاقة بين الكاتب والرواية بقوله “إن قريحة فاسدة التهذيب، وعقيمة مثل قريحتي لا تلد إلا تاريخ ولد جاف، شاذ، مليء بالأفكار المتناقضة، حيث لم يتخيل مثله أحد من قبل”.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)