ardanlendeelitkufaruessvtr

الرفيق خمّاس والدكتور المترف

بقلم حكيم مرزوقي شباط/فبراير 18, 2020 150

 

الرفيق خمّاس والدكتور المترف
حكيم مرزوقي
لا زال الحمام الصباحي ترفا لدى بعض الرفاق، وكذلك الرياضة الصباحية واستنشاق العطور والاستماع إلى الموسيقى “غير الملتزمة”، فما بالك بـ”السويتات” في فنادق الخمس النجوم.
رأس محشوة بالأفكار الثورية في وطن أشبه بفندق (لوحة عدنان معيتيق)
ما كاد “الرفيق خمّاس” (هكذا يلقبه الجميع منذ أيام الجامعة) ينهي قراءة شيء ما من جريدة بين يديه على الطاولة المجاورة في الحانة الشعبية حتى اشتعلت عيناه غضبا وصرخ متوجها إلي “تفضل.. خذ واقرأ هموم المترفين في الصحف العربية يا أستاذ”.
عبارة حاسمة خرجت من فمه ذي الأسنان المتآكلة الصفراء، والذي تفوح منه روائح التبوغ الرديئة والخمور الرخيصة. ناولني “الرفيق خمّاس” الصحيفة منتظرا مني تأييدا لقوله، لكنني، وفور مشاهدة المقال، لم أنجح في كتم ابتسامتي.. الأمر الذي زاده حنقا وجعله يتجرع كأسه دفعة واحدة قائلا وهو ينظر إلى حذائي الملمّع “يبدو أنك انسلخت طبقيا يا رفيق، ولم يعد الأمر يهمك”.
وبحركة عصبية، سحب الجريدة من بين يدي وغادر وهو يتمتم ـ كعادته ـ ويشتم “آكلي قوت الشعوب”.
مضى “الرفيق خمّاس” دون أن أخبره عن سبب ابتسامتي التي رأى فيها سخرية واستهتارا بأفكاره الثورية، في حين أن الحقيقة “الصاعقة” تتمثل في أن المقال الذي جعله يخرج عن طوره، منشور في صحيفة “العرب” وعلى هذه الزاوية بالتحديد، وبقلم الدكتور هيثم الزبيدي.
أعدت قراءة المقال الذي حمل عنوان “ماء ساخن خمس نجوم”، ويتحدث فيه الكاتب عن “معاناته” مع غياب الماء الساخن أثناء إقامته في فندق فخم ببلد عربي “يفخر بتاريخه السياحي”، وكيف أن استهتار الموظفين وتلكؤ عمال الصيانة، يجعلان مشكلة يمكن إصلاحها بسرعة، تتحول إلى معضلة فتعكّر المزاج وتقلب الانطباع فاترا كالماء التي تجري من صنبور غرفة “نزيلنا المترف” الذي أغضب مقاله “رفيقنا خمّاس”.
المقال يُقرأ على مستويات عديدة، ويزخر بالغمز الذي أثار حفيظة “خماس” ذي الثقافة الشيوعية والنزوع الماوي، فرأى فيه تحاملا على رفاقه من الطبقة الشغيلة من عمال الفندق.. رغم علمه بأن لينين كتب في كراساته ـ ومنذ مئة عام ـ بأن عمال السياحة هم آخر من يلتحق بالثورات العمالية.
أما أكثر ما جعل الرفيق خمّاس، يستشيط غضبا فهو الحديث عن الماء الساخن، وكأنه حق مكتسب، في الوقت الذي يعيش فيه أيتام العالم ومشردوه تحت الصقيع في الخيام، ولا يحلمون حتى بالمياه الفاترة في غسل أطرافهم ووجوههم.
لا زال الحمام الصباحي ترفا لدى بعض الرفاق، وكذلك الرياضة الصباحية واستنشاق العطور والاستماع إلى الموسيقى “غير الملتزمة”، فما بالك بـ”السويتات” في فنادق الخمس النجوم، وحتى الحديث عن الأجنحة الرئاسية.
ماذا فعلت بنا يا دكتور؟ هل تريد أن تحدث انقلابا في رأس “خمّاس” المحشوة بالأفكار الثورية في وطن أشبه بفندق لدى نخبه السياسية الاقتصادية.
نسيت أن أخبر الدكتور هيثم، أن مقاله قد خدم “خمّاس” في أمر أساسي.. لقد جعله يغادر الحانة مسرعا ومفتعلا الغضب كي لا يدفع الحساب.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)