ardanlendeelitkufaruessvtr

لذة نشر النص الأول

 
علي السوداني
 
حدث‭ ‬هذا‭ ‬ببغداد‭ ‬العباسية‭ ‬الجميلة‭ ‬،‭ ‬صيف‭ ‬السنة‭ ‬الميلادية‭ ‬الف‭ ‬وتسعمائة‭ ‬واثنان‭ ‬وثمانون‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬مدافع‭ ‬الحرب‭ ‬،‭ ‬تكاد‭ ‬تأكل‭ ‬بداية‭ ‬السطور‭ ‬الغضة‭ ‬الممكنة‭ .‬
بدأ‭ ‬الأمر‭ ‬بمقهى‭ ‬حسن‭ ‬عجمي‭ ‬بمنطقة‭ ‬الحيدرخانة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬يفتتح‭ ‬بها‭ ‬شارع‭ ‬الرشيد‭ ‬البديع‭ ‬النازل‭ ‬صوب‭ ‬الباب‭ ‬الشرقي‭ ‬،‭ ‬مستريحاً‭ ‬عند‭ ‬عتبة‭ ‬أبي‭ ‬نؤاس‭ ‬ودجلة‭ ‬والجسر‭ ‬والنوارس‭ ‬،‭ ‬وعيون‭ ‬المها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تداعب‭ ‬القلب‭ ‬وأول‭ ‬نصوص‭ ‬العشق‭ . ‬
تكاد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المقهى‭ ‬المعتقة‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬بوابة‭ ‬الدخول‭ ‬الحتمية‭ ‬لوسط‭ ‬الكتابة‭ ‬والثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬كلها‭ ‬،‭ ‬فهناك‭ ‬ستتعرف‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬كنت‭ ‬تقرأ‭ ‬قصصهم‭ ‬وقصائدهم‭ ‬وما‭ ‬تيسر‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬ونقد‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬جريدة‭ ‬أو‭ ‬كتاب‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬محاسن‭ ‬المصادفات‭ ‬المبهجات‭ ‬،‭ ‬أنني‭ ‬عرفت‭ ‬القاص‭ ‬الراحل‭ ‬موسى‭ ‬كريدي‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬جلوس‭ ‬لي‭ ‬هناك‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬موسى‭ ‬من‭ ‬الجلاس‭ ‬اليوميين‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬الأدباء‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬ينطرون‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬،‭ ‬ليهاجروا‭ ‬الى‭ ‬المقهى‭ ‬وليصنعوا‭ ‬ظهيرتهم‭ ‬الممتعة‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬العصر‭ .‬
لموسى‭ ‬الجميل‭ ‬طقوس‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬لم‭ ‬أجدها‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬،‭ ‬فهو‭ ‬يدخل‭ ‬المقهى‭ ‬بهدوء‭ ‬ووجه‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬ابتسامة‭ ‬خالدة‭ ‬،‭ ‬ويتوجه‭ ‬صوب‭ ‬المغسلة‭ ‬المزروعة‭ ‬بباب‭ ‬غرفة‭ ‬الأراكيل‭ ‬،‭ ‬ويقوم‭ ‬بغسل‭ ‬وجهه‭ ‬وتعديل‭ ‬شعره‭ ‬،‭ ‬بمشطٍ‭ ‬حديدي‭ ‬صغير‭ ‬شاع‭ ‬أيامها‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬موزعاً‭ ‬البشاشة‭ ‬والسرور‭ ‬على‭ ‬الأصدقاء‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يختار‭ ‬مصطبة‭ ‬الجلوس‭ ‬التي‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬،‭ ‬ومنها‭ ‬يستطيع‭ ‬قنص‭ ‬دكان‭ ‬كعك‭ ‬السيد‭ ‬والحلاق‭ ‬الحلّي‭ ‬،‭ ‬ومعارك‭ ‬عدنان‭ ‬أبو‭ ‬السمك‭ ‬اللغوية‭ ‬المكرورة‭ ‬بباب‭ ‬المكان‭ ‬،‭ ‬فيضيف‭ ‬إليها‭ ‬ويثلم‭ ‬منها‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬حكواتي‭ ‬جالس‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬الحكاية‭ ‬،‭ ‬وتحت‭ ‬قدميه‭ ‬دائرة‭ ‬منصتين‭ ‬مذهولين‭ ‬مسرورين‭ .‬
بدأ‭ ‬عدد‭ ‬أصدقائي‭ ‬الأدباء‭ ‬يزداد‭ ‬،‭ ‬وصرت‭ ‬أتبادل‭ ‬معهم‭ ‬الكتب‭ ‬وأخبار‭ ‬الثقافة‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬صوت‭ ‬مجلس‭ ‬موسى‭ ‬خفيضاً‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬وعالياً‭ ‬في‭ ‬معمعة‭ ‬الثقافة‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬وتلك‭ ‬ولد‭ ‬النشر‭ ‬الأول‭ ‬البهيج‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬خاطرة‭ ‬قصيرة‭ ‬مبنية‭ ‬من‭ ‬طابوق‭ ‬أربعة‭ ‬سطور‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬الصنف‭ ‬الذي‭ ‬يكتبه‭ ‬العشاق‭ ‬العذريون‭ ‬على‭ ‬حوائط‭ ‬الأزقة‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬محفوراً‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬الأشجار‭ ‬المعمرة‭ ‬بمنطقة‭ ‬الوزيرية‭ ‬الحلوة‭ ‬وما‭ ‬حولها‭ ‬!!
من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الرائعة‭ ‬التي‭ ‬جئنتُ‭ ‬على‭ ‬تأريخها‭ ‬في‭ ‬مفتتح‭ ‬المكتوب‭ ‬،‭ ‬قررت‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬الهراء‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أعتقده‭ ‬شعراً‭ ‬،‭ ‬واتجهت‭ ‬الى‭ ‬صنف‭ ‬بدا‭ ‬جديداً‭ ‬وغير‭ ‬شائع‭ ‬،‭ ‬ويحمل‭ ‬مصطلحاً‭ ‬ملتبساً‭ ‬بين‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ . ‬إنه‭ ‬جنس‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬جداً‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬المقصوصة‭ ‬بالغة‭ ‬القصر‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تستهلك‭ ‬لغةً‭ ‬كثيرةً‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الواقعة‭ ‬الأولى‭ ‬،‭ ‬نشرت‭ ‬لي‭ ‬جريدة‭ ‬القادسية‭ ‬خمساً‭ ‬من‭ ‬قصار‭ ‬القصص‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬ساعي‭ ‬البريد‭ ‬المؤتمن‭ ‬الذي‭ ‬أوصلهن‭ ‬الى‭ ‬الجريدة‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬شغيدل‭ ‬،‭ ‬وبتقديم‭ ‬لطيف‭ ‬من‭ ‬صديقي‭ ‬القاص‭ ‬جمال‭ ‬حسين‭ ‬علي‭ ‬،‭ ‬وفيها‭ ‬تسلمت‭ ‬أول‭ ‬مكافأة‭ ‬مالية‭ ‬قيمتها‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬ديناراً‭ ‬،‭ ‬أيام‭ ‬كان‭ ‬الدينار‭ ‬عزيزاً‭ ‬دسماً‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬قوته‭ ‬يكاد‭ ‬يصيح‭ ‬!!
الآن‭ ‬وبعد‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬مجموعة‭ ‬في‭ ‬القص‭ ‬والحكي‭ ‬والمكاتيب‭ ‬والمنثور‭ ‬الحر‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬اللذة‭ ‬كما‭ ‬انولدت‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬،‭ ‬وكما‭ ‬كان‭ ‬منظري‭ ‬وأنا‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬نسخٍ‭ ‬من‭ ‬مجموعتي‭ ‬القصصية‭ ‬الأولى‭ ‬«‭ ‬المدفن‭ ‬المائي‭ ‬«‭ ‬بباب‭ ‬تسعينيات‭ ‬الرمادة‭ ‬والسخام‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬زرعتُ‭ ‬واحدةً‭ ‬عند‭ ‬وسادتي‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬عملية‭ ‬تحفيز‭ ‬لحلم‭ ‬مؤجل‭ ‬‭!!‬
قيم الموضوع
(0 أصوات)
علي السوداني

كاتب عراقي