ardanlendeelitkufaruessvtr

تونس في حاجة إلى عقد اجتماعي لا لتعاقد حكومي

بقلم أمين بن مسعود شباط/فبراير 27, 2020 68

تونس في حاجة إلى عقد اجتماعي لا لتعاقد حكومي
أمين بن مسعود
يفترض بإلياس الفخفاخ النظر مليا إلى الخطر المحدق على حكومته وعلى الوضع العام ككلّ، والقائم في انعدام منسوب الثقة بين مكوناتها.
وعود كثيرة
قد يكون من غير المنطقي تقديم أحكام إطلاقية على السياسة الاتصالية لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، وعلى مدونته الخطابيّة انطلاقا من خطاب التكليف وليس انتهاء بخطاب النيل على الثقة من البرلمان، ولكن ما يمكن الجزم به في مثل هذه الظروف أن خطاب الفخفاخ، الأربعاء 26 فبراير الجاري، كان استنساخا لخطاب يوسف الشاهد لنيل الثقة في البرلمان عقب إسقاط حكومة الحبيب الصيد.
فالخطاب المسترسل بالعامية التونسية والمفعم بالوعود والمتضخم بحضور سياسي وأداء اتصالي قوي، يُذكرنا بشخصية يوسف الشاهد الذي استطاع أن يكون استثناء اتصاليا عن رؤساء الحكومات السابقين التكنوقراط والعاجزين عن تأصيل حضور اتصالي لافت، ويبدو أن الفخفاخ ينتمي إلى هذه المدرسة السياسية الشبابية الجديدة من رؤساء الحكومات المفوّهين.
ومقولة التنسيب هنا مردها شيئان اثنان، الأول كامن في منظومة التلقي الجماهيري حيث باتت نسبة معتبرة من الرأي العام التونسي غير معنية بالاتصال السياسي بقدر ما تعنيها النتائج والمخرجات، لاسيما وأنّ النتائج السلبية في مستوى الاقتصاد والتنمية والتشغيل تقاسمتها، بنسب متفاوتة، كافة الحكومات بغض النظر عن القدرة الاتصالية لرؤسائها من عدمها.
أما الأمر الثاني فهو متعلق بسقف الوعود وطبيعة الأولويات المطروحة في خطاب الفخفاخ، ولئن عبرت الأخيرة عن تصوّر وتمثل للمرحلة المقبلة، فهي في الجوهر تعبر عن غياب نسبي للتمشي الصحيح والمرحلي القادر على تحقيق هذه الأولويات.
لن نختلف في قيمة هذه الأولويات والتي تعبر تقريبا عن شبه إجماع لدى النخبة السياسية التونسية، ولن نتباين في أهميتها لإصلاح الوضع التونسي، ولكن يبقى السؤال الأساسي المتلازم مع كافة الحكومات، ما هو التمشي الصحيح لتحقيق هذه الأهداف؟
ذلك أنّ الإشكال الحقيقي الذي صادف كافة الحكومات التونسية، لا يكمن في استقراء الوضع ولا يتمثل في ضبط الأولويات، وإنما يتجسد في تحديد التمشي القادر على تحقيقه وفق جدول زمني محدد، وهو تمش لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية المحلية والضغوطات الأجنبية ولاسيما للمانحين الدوليين، وقلة البدائل في ظل جوار جغرافي مشتعل وعمق استراتيجي مستنزف، والأهم من كل ذلك التباين السياسي والحزبي الحاصل في حكومة الفخفاخ، والقادر على إسقاطها في أي منعطف حقيقي.
وهنا يفترض بإلياس الفخفاخ، النظر مليا إلى الخطر المحدق على حكومته وعلى الوضع العام ككلّ، والقائم في انعدام منسوب الثقة بين مكوناتها وعلى رأسها الكتلة الديمقراطية من جهة وحركة النهضة من جهة ثانية، فالذي أسقط حكومة الحبيب الصيد لم يكن الوضع الإقليمي ولا الدولي بقدر ما كانت التجاذبات السياسية داخل حزب نداء تونس، والذي كاد يسقط حكومة الشاهد ليس فيتو صندوق النقد الدولي بقدر ما هو مدى الانشقاقات الحزبية والسياسية التي ذهبت بحزب نداء تونس إلى هامش التاريخ.
كنا ننتظر من الفخفاخ في خطاب نيل الثقة، تقديم خطاب يكرس هذا التمشي ويحول الوثيقة التعاقدية من سياق الرؤية والاستشراف إلى مجال التكريس والإجراء، ولكن للأسف سقط في ما سقط فيه غيره أي في رفع سقف الطموحات والتصعيد في التطلعات الجماعية، وهذا هو الفرق بين الآمال الوطنية الجماعية والأوهام السياسية الخطابية.
لن نجانب الصواب إن قلنا إن تونس لا تحتاج إلى تعاقد سياسي على شاكلة وثيقة التعاقد -وإن قدمت تصورات محترمة من حيث الشكل والمضمون- بل هي في أمس الحاجة إلى عقد اجتماعي وسياسي كبير وواسع، يضم كافة المنظمات الوطنية والفاعلين السياسيين دون فيتو والمكونات الكبرى للمجتمع المدني في البلاد، ويكون عنوانه حوار وطني جامع وجوهره تفاهم إلزامي على الأولويات والمنهجيات والأفق الزمني لتحقيقها.
نتصور أن جزءا مما نقول في ذهن الفخفاخ الذي يعرف صعوبة الميدان وإكراهاته، ونتصور أيضا أنّ جزءا معتبرا من إكراهات المرحلة السياسية والحزبية لم يغب عن ذهنه، فالرجل مطالب لا فقط بإصلاح الاقتصاد وتعافيه، بل بإصلاح ذات البين بين النهضة وباقي المكونات، وتقليص المسافة بين السلطة التشريعية والتنفيذية بعد مناوشات قانونية وخطابية لم تخطئها أعين المتابعين للمشهد السياسي التونسي.
الإشكال أن كافة الحكومات لم تسقط في امتحان الاستقراء والاستشراف، بقدر ما سقطت في استحقاق الوسيلة والمنهجية والتي لا بد أن تكون متناسقة مع حقيقة الوضع وإكراهات الداخل الحكومي والخارج الاجتماعي والإقليمي ومن ثمة الدولي. نرجو ألّا يعرف الفخفاخ المسار ذاته، لا فقط لأن في فشله فشل لتونس ككلّ، بل وهو الأهم لأن تونس لم يعد لها ترف الفشل ولم يعد لها الحق في الإخفاق، فالسيناريوهات مخيفة وسوداوية.
كاتب ومحلل سياسي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)