ardanlendeelitkufaruessvtr

14 يوما إجازة

بقلم علي الصراف شباط/فبراير 28, 2020 80

14 يوما إجازة
علي الصراف
كورونا فايروس. والفايروسات لا علاج لها حتى الآن على الأقل. ونحن نعاني منها منذ 100 ألف سنة. مات بسببها الكثيرون، ولكن البشرية ظلت باقية. يذهب الضعيف ويبقى القادر على المقاومة.
عالم مرهق
الشيء المفيد في فايروس كورونا هو أنه يمنحك 14 يوما إجازة. وليس هذا فحسب، فهو يتيح لك عزلة تامة تستطيع أن تستنفدها في التأمل أو التفكير أو القراءة أو التخطيط للمستقبل، من دون أن ينغص عليك أحد.
في الواقع، فإن الإصابة، أو ادّعاءها، سوف يكفي ليجعل كل من هم في محيطك يبتعدون عنك. كما أنك سوف تُحاطُ من جميع الاتجاهات بحماية مطلقة، ويتوفر لك من أساسيات ما قد تحتاج، ما لا عناء فيه، لأنه سيأتيك في الغالب على طبق مغلق؛ شيء يشبه أن تحصل على طعامك على طبق من ذهب.
بعض الحكومات ربما تقرر أن تمنحك غرفة في فندق، مجهزة بكل شيء. والمدهش هو أنك لن تدفع شيئا لقاء هذه الخدمة. ولسوف تحاط بكمامات، الأمر الذي يُنجيك من روائح الثوم والبصل التي يستهلكها بعض المقربين منك بإفراط، وكأن يوم القيامة سوف يأتي غدا.
ولا شك أن لديك الكثير مما يتوجب أن تبحثه مع نفسك. فطالما أن كورونا لن يؤثر على قدرتك على التفكير، فإنها سوف تكون “فرصة العمر” لكي تحسم ما لم تجد وقتا لحسمه.
14 يوما لن تكفي لقراءة كل الكتب المؤجلة، ولكنك في عزلتك التامة، سوف تستطيع أن تقرأ 200 صفحة على الأقل كل يوم. ولسوف تخرج من ذلك أغنى نضجا وأوسع فكرا وأعمق تجربة، وذلك بما أنك تعرفت من خلال ما قرأت على ما كان ينقص عالمك. ولو اقتصر الأمر على بعض الروايات المهمة، فإنك سوف تتعرف على حيوات إنسانية ما كانت لتمر عليك بينما أنت في دوامة الذهاب والإياب بين البيت والعمل.
لو كنتُ رئيس بلدية في أي مدينة في إيطاليا، لطلبت من كل مواطنيها أن يتزودوا بما يكفي لحاجاتهم الأساسية، وأن يتمتعوا بإجازة مطلقة، كلٌ في غرفته الخاصة، لمدة 14 يوما، حتى لتخلو الشوارع إلا من سيارات الإسعاف والقليل من رجال الشرطة. وخلال فترة العزل هذه، فإن البلدة برمتها سوف تشفى، أو يموت في حجرته من كان مقدرا له أن يرحل. وتنتهي القصة. ولو توسعت الأمور فقد يستطيع الرئيس الإيطالي، سيرجيو ماتاريلا، أن يمنح شعبه إجازة. الإيطاليون شعب مرح ويحب الإجازات. و14 يوما لن تترك إلا أثرا محدودا على الناتج الإجمالي، كما أنها سوف تكون فرصة لعدم سماع أي أخبار تمغص المعدة، وتنكد العيش، عن ماتيو سالفيني.
نحن مرحون أيضا. ونحب الإجازات. صحيح أننا نتضايق عندما يكون الشيء إجباريا، ولكن بوسع كل إنسان أن يتكيف ويستثمر حتى في ما قد يُجبر عليه. نحن مجبرون على 90 في المئة من الأشياء في حياتنا. ولا توجد مشكلة في أن تضاف إليها إجازة.
الأفضل طبعا أن تقضي الإجازة في جزر الكناري. ولكن ها أنت ترى، فإنها تحترق، مثلها مثل أستراليا، بسبب التغير المناخي. وإذا كنت من محبي الريف في بريطانيا، فإنه يغرق. جزر اليونان ربما تكون أفضل، إلا أنها تغص بالباحثين عن حياة، حتى ولو من دون إجازة. والرحلة إلى ألمانيا، كانت ستكون ممتعة لو لم يكن هناك يمين متطرف.
كورونا فايروس. والفايروسات لا علاج لها حتى الآن على الأقل. ونحن نعاني منها منذ 100 ألف سنة. مات بسببها الكثيرون، ولكن البشرية ظلت باقية. يذهب الضعيف ويبقى القادر على المقاومة. وتلك سنة من سنن الحياة. وما من أحد يعيش إلى الأبد.
معدلات الوفيات بكورونا لا تزال محدودة للغاية على أي حال. أقل من 1 في المئة بكثير. فهناك نحو 80 ألف مصاب حول العالم توفي منهم نحو 2700 فقط. بينما توفيت أكثر من 46 ألف امرأة خلال الوضع هذا العام، وهناك أكثر من 1.25 مليون وفاة بالسرطان، و41 مليون مصاب بمرض الإيدز، و148 ألف وفاة بسبب الملاريا، و378 ألف وفاة بسبب الكحول، و204 آلاف وفاة بسبب حوادث الطرق، و757 ألف وفاة بسبب التدخين، و162 ألف عملية انتحار، و6.5 مليون عملية إجهاض. وبينما هناك أكثر من 750 ألف إنسان يعاني من الإفراط في السمنة، فقد توفي هذا العام أكثر من 1.5 مليون إنسان من الجوع. وهناك 127 ألف إنسان مات هذا العام بأمراض تتعلق بتلوث المياه.
نحن نعيش في عالم مُرهَق بالمتاعب. ونحن من أرهقه، وأرهقنا أنفسنا فيه.
الكرة الأرضية كلها بحاجة إلى إجازة مما نفعله بها. و14 يوما لن تؤدي إلى انخفاض كبير في مستويات التلوث، إلا أنها تنفع. فحتى الآن، فقدت الأرض أكثر من 788 ألف هكتار من الغابات هذا العام، وأطلقت البشرية نحو مليون ونصف المليون طن من الكيميائيات السامة، وخمسة مليارات ونصف المليار طن من غازات الدفيئة. وهناك 1.8 مليون هكتار تعرضت للتصحر.
الأرض كلها بحاجة إلى إجازة. إنها تصرخ من شدة التعب.
كاتب عراقي

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)