ardanlendeelitkufaruessvtr

عصفور الشيخ سيد

بقلم إبراهيم الجبين شباط/فبراير 28, 2020 86

عصفور الشيخ سيد
إبراهيم الجبين
من لا يفكر لوهلة، سوف لن يرى ضرورة الخصومات في الحياة العامة، فهي التي تعيد شحذ الهمم وتنشّط العلاقات وتكشف المعادن، وتبدأ صفحات جديدة بين البشر.
مزاج راقي يتمتع به المبدعون
يروى الفنان العربي نجيب الريحاني الذي لم تكرّره الأجيال، في تسجيل صوتي نادر، كيف أن الصداقة الوثيقة التي جمعته مع الموسيقار العبقري سيد درويش بدايات القرن العشرين، لم تكن دوماً سمناً على عسل، وأن عملهما معاً على مسرحيات مشتركة، تمثيلاً واستعراضاً، لطالما تسبب بمشاكل عديدة ثارت فيها ثائرة هذا وبادله خلالها ذاك الأمر ذاته، حتى أنهما في مرة كادا يتضاربا بسبب خلاف على جملة موسيقية ومشهد تمثيلي.
بدأ الأمر في إحدى سهرات النيل الخالد. ارتفع صوت الريحاني ونهض صديقه الموسيقي ذو الجسم الضخم ليمسك بتلابيبه، ولم يفلح أحدٌ من الحاضرين بوضع حد لذلك الصراع المتصاعد. وحين دنت لحظة الهجوم العنيف ارتفع صوت تغريد مفاجئ لعصفور في قفص معلّق على الجدار. فصمت سيد درويش وغاب عن العالم، وأخذ يصغي إلى ذلك العصفور ثم تناول عوده وبدأ يدندن عليه لحناً جديداً تعلّمه من العصفور. وانتهت المشكلة بين الرجلين وسط دهشة الجميع.
وحين غادرا المكان تلك الليلة، ركبا معاً حنتوراً يجره حصان، كان بمثابة سيارة أجرة في ذلك الزمن، فقال الريحاني للعربجي “خذنا إلى شارع عبدالعزيز من فضلك” فاستغرب درويش وقال لصاحبه اللدود “ماذا ستفعل في ذلك المكان في هذه الساعة من الليل؟”، فأجاب الريحاني “هناك توجد سوق للطيور. سأشتري لي عصفورا بقفص صغير وأحمله معي ليلاً ونهاراً، حتى يخلصني منك ومن غضبك ويجعلك تبدع ألحانك العظيمة يا شيخ سيد”.
اليوم تبدو تلك الحكاية كمشهد مقتطع من فيلم بالأبيض والأسود، أو كصفحة من كتاب قديم، لكنها بلغة جميع العصور تعبّر عن المزاج الراقي الذي يتمتع به المبدعون، في أيّ حقل كان تخصّصهم، فخصوماتهم ليست قائمة على الكراهية والأحقاد، بل على التقاط فكرة حتى لو كانت في أتون صراع، وجملة موسيقية من بين ضجيج لا حدود له. ومن ثم تطوير تلك الفكرة إلى قصة سوف تروى لاحقاً ومراراً، ناقلة حكمة المبدع مع الحياة.
ومع ذلك، فإن من لا يفكر لوهلة، سوف لن يرى ضرورة الخصومات في الحياة العامة، فهي التي تعيد شحذ الهمم وتنشّط العلاقات وتكشف المعادن، وتبدأ صفحات جديدة بين البشر، وهو دائرة واحدة ونموذج متشابه مهما علت درجات تلك الصراعات منتقلة من الأفراد إلى الأمم. ولهذا نشأ فن “إدارة الصراعات” وهو، دون شك، نوعٌ متقدم من إدارة الاختلاف، ويتطلّب الكمّ اللازم من المعرفة والحكمة والرؤية المستقبلية الواضحة، وهو ما لا يتقنه العالم المفتون بإشعال الحروب والوقوف موقف المتفرج عليها وهي تتحول إلى سعير.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)