ardanlendeelitkufaruessvtr

"الآخرون هم الجحيم" هكذا تكلم الفن في زمن الأوبئة

بقلم ميموزا العراوي آذار/مارس 24, 2020 163

 

"الآخرون هم الجحيم" هكذا تكلم الفن في زمن الأوبئة
ميموزا العراوي
فنون البشرية تقف بأسرها في حيّز يفصل ما بين مرحلة ما قبل الفايروس وما بعده، وما بين مرحلة التواصل المجتمعي والتباعد.
الفن الحديث يقف حائرا أمام الوباء
عندما أعلن المفكر الفرنسي جان بول سارتر أن “الآخرون هم الجحيم”، قصد بهذه العبارة أنه عندما تكون العلاقة مع الآخرين علاقة فاسدة فإنهم ليسوا إلاّ الجحيم.
وهذا الجحيم الذي لم يكن يوما جديدا على بني البشر، تجلّى منذ بداية التشكيل الفني في أكثر اللوحات رهبة وإعلانا كيف أن الجحيم تجسّد على الأرض بتحرك البشر على سطحها ضد بعضهم بعضا عن سابق إصرار وتصميم، أو كتعبير عن غريزة العنف المؤصلة في نفوسهم.
كثيرة هي الأعمال الفنية التي أنتجت تحت ظل الكنيسة، وخرجت في أحيان كثيرة بعيدة عن التبشير بالجنة والدعوة إليها، لتبلغ درجة هائلة من العنف جعلت الناظر إليها يتساءل هل على عشبة الموت المخيفة أن تنمو حتى يُصار إلى تلقف أزهارها الجنائزية التي تناقض منبتها؟
لسنا بصدد الكلام عن هذه اللوحات بشكل خاص ولا الإجابة على هذه التساؤلات لأننا، والأحرى بنا اليوم، التأمل في الأعمال الفنية التي رصدت الموت والعذاب والجحيم بعيدا عن أيّ لعنات الآلهة، وبمعزل عن التبشير بالخير والمحبّة، وخارج إطار العقاب الإلهي، الذي أعتبر فيه وعلى سبيل المثال، مرض الجذام، عقابا مُنزّلا على فئة من الشعب.
ولعل اللوحات التي جسّدت الطبيعة الصامتة أو كما تسمى باللغة الفرنسية “الطبيعة الميتة”، هي لوحات جحيمية متواضعة ومقدّمة لفكرة الجحيم الأرضي الكبير الذي واجهه الإنسان وأنشأه في آن واحد.
لوحات تعجّ بالجماجم والشموع الذائبة والفاكهة المهترئة التي ترمز إلى هشاشة الحياة وآفات الترف والجشع والاستهلاك. وقد انتشرت هذه الأعمال في هولندا أواخر القرن السادس عشر والقرن السابع عشر قبل حلول أزمان الأوبئة بداية بمنتصف القرن السابع عشر وصولا إلى اليوم.
وقد عرفت البشرية أوبئة كثيرة حصدت الآلاف من البشر من الطاعون الأبيض، أي السل، والطاعون الأسود والكوليرا والتيفوئيد وغيرها من الأوبئة التي شكلت إنسانية جديدة تحكمها علاقات اجتماعية شائكة غير مبنية بمعظمها على المحبة والتسامح، بل على الطبقية واستغلال الآخر. ولا زالت هذه الإنسانية عرضة للتحوّلات تحت سندان الرعب من الاندثار والانقراض وتحت وقع الأوبئة “الطبيعية “منها والمُصنّعة.
من تلك الأعمال التي خرجت بشكل عام عن نطاق اللعنات المُنزّلة والتي شكّلها البشر في ما بينهم، فئة من الأعمال الفنية نشأت في صلب أو ما بعد انتشار الأوبئة الناتجة بمعظمها عن الفقر المدقع، وغياب النظافة والتجاور اللصيق بالحيوانات الأليفة التي لم تحض بالرعاية الكافية لتتخالط مع الآفات الاجتماعية بكل ما فيها من بشاعة وقذارة.
نذكر من تلك الأعمال ما قدّمه الفنان بيتر بروغل في مشاهد بشرية مقتضبة تداخل فيها العجائبي بالجحيمي. بدا فيها الناس كالصعاليك أمام عظمة الكون و”نبله”. وجاءت أعمال الفنان هيرونيموس بوش أكثر فظاعة وظهر فيها عامة الشعب وكأنهم مجموعة حشرات تتآكل في ما بينها وتتوالد منها شياطين بشرية (النسخ الأولية لما يعرف اليوم في الفن وفي سينما الرعب والخيال العلمي بالأموات/الأحياء) أقوى من كل الأوبئة الناتجة عن الميكروبات والفيروسات ذات أصول علمية/طبية. لا يبدو المشهد مختلفا اليوم في ظل تفشي وباء كورونا المُستجد الذي طال العالم بأسره. ولد ونما في ذهن العالم مُرتبطا كما في الماضي بالنظرة العنصرية إلى الآخر. فالصين كانت منذ إصابتها بالفايروس محطة تنمّر وعنصرية شديدة، إذ أحيل سبب انتشار الفايروس إلى طبق “شوربة الخفاش” وغيرها من المُمارسات الغذائية الغريبة المعروفة في الصين. ما لبثت الصورة أن تبدّلت عندما ضرب الفايروس العالم كله. ويجدر الانتباه إلى أن إيطاليا التي تعاني اليوم ما عانته الصين بأضعاف من جراء انتشار الفايروس لم تتعرّض إلى التنمّر، لأن لديها ما يحصّنها من عين الآخر “الأجنبي” كل النبل والفوقية الثقافية.
وكما في السابق اعتبرت المناطق الفقيرة منبعا ومرتعا خصبا للفايروس أكثر من كونها ضحية شحّ يمنعها من تحصين ذاتها ضد هجمات الوباء، لذلك امتنع معظم الناس، وبشكل أكبر، من الدخول إلى الأحياء الفقيرة. نتذكّر هنا كيف هربت الطبقات الأرستقراطية من المجتمع خلال وباء الطاعون من مناطق عيش الطبقة العاملة، حيث القدرة على محاربة انتشار الفايروس منخفضة نسبيا. اليوم وإن كان سبب الامتناع عن دخول المناطق الفقيرة سببا “صحيا”، إلاّ أنه ساهم وكرّس ووسّع الشرخ القائم ما بين الطبقات في زمن انفتح فيه العالم كله على بعضه البعض، وسهّل تنقّل البشر واستيراد البضائع وتصديرها، لذلك لا عجب أن سمّي فايروس “كوفيد – 19” السريع وواسع الانتشار بـ”وباء العولمة”.
تقف فنون المجتمعات البشرية بأسرها في حيّز يفصل ما بين مرحلة ما قبل الفايروس وما بعده، وما بين مرحلة التواصل المجتمعي والتباعد. الفنون كما شأنها دائما ستطرح مجموعة أسئلة في أساليب فنية متنوعة: كيف ستكون النظرة إلى الآخر؟ هل من منطق أنه مصدّر للثروات التي لا حارس لها؟ هل سيبقى الآخر، الكويكب البعيد الذي لن يؤدّي احتراقه إلى أيّ أثر يُذكر في حياة الأمم/المجرّات والبلدان/الكواكب المحيطة؟ هل ستتعمّق اللامبالاة بالآخر؟ هل نحن أمام صناعة أكثر إنسانية لمفهوم الإنسان، أم نحن بصدد التحضير للمزيد من إذلال الآخر واستغلاله بشهية متجددة وأكثر شراسة؟
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)