ardanlendeelitkufaruessvtr

في همس اللاجئين

 

في همس اللاجئين
عدلي صادق
القادم قسرًا من سوريا وفلسطين ولبنان واليمن وليبيا، سيصبح في حال استمرار التفشي -لا سمح الله- في القارة الأوروبية كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كمن هرب من الدلف فوقع تحت المزراب.
عالقون ينتظرون ساعة العودة
بينما الفايروس يهجم، التزمت طائرات الرُكاب حظائرها، أو ظلت في مواضعها على الأرض، ولا سفر!
أضيفت إلى عذابات الراسخين في البلاء المديد؛ عُطالة وقلق الذين أوفاهم الله النعمة. أصبح لدى المتعطلين الجدد، من ذوي البُعد القليل والفُراق اليسير، ما يقلقهم كثيرًا ويزعجهم. فالفايروس خصص لكل طيف من الناس، نصيبه من الهلع، ولكل أمة نصيبها!
الفارون من أرضٍ عربية محروقة أو أرضٍ يباب؛ كان لهم سَفرٌ عابرٌ للمراحل وليس عابرًا للأجواء، ويسعدهم كثيرًا أن لا يتكرر السفر. فقد وصلوا إلى وجهتهم الأخيرة عبر مراحل شاقة، ولا تزال بعض الجموع عالقة عند بدايات تلك المراحل. فمعظم الذين وصلوا، حشرتهم الضائقة بين المحطتين الأولى والثانية، ويفصل بينهما بحر أو نهر أو الإثنان معًا. ثم انحشروا بين الثانية والثالثة ويفصل بينهما نهرٌ أو غابة أو الإثنان معا. وجزء كبير منهم الآن في بلجيكا وغيرها، أصبحوا معلقين محشورين في محطتهم الأخيرة، ينتظرون قرارات الموافقة على لجوئهم!
راكب الطائرة، قليل البُعد في الفراق اليسير، يؤلمه انسداد خطوط الطيران. فلم يسبق أن تسبب فايروس لا يُرى بالعين المجردة، في منع السفر. كانت الطائرة تحمل الناس، وتحلق بهم فتطوي الأراضي والبحار من تحتها، وتجعل قصائد الأقدمين، عن وعثاء السفر على ظهور الإبل، شيئًا من طرائف التراث، لا يصلح منها للاستخدام سوى بعض ألفاظها.
نحن الآن بين احتمالين، أن ينجح الإنسان وحرارة الصيف، في القضاء على الحشرة، أو أن تزداد البغيضة تفشيًّا وأن تأتيها تعزيزات من فايروسات شقيقة. فمع الاحتمال الأول، يمكن أن تعود الخطوط إلى سابق عهدها مع بدء الصيف، وتحلق الطائرات من جديد. لكن المزعج هو الاحتمال الثاني، الذي سيصبح فيه السفر مطابقًا لوصف الحجاج بن يوسف: “لولا فرحة الإياب، لما عذبت أعدائي إلا بالسفر”. لعل هذا النوع هو الذي ينطبق على سفر اللاجئ، عندما فر من النار أو انسداد آفاق الحياة، فقطع المسافات الوعرة، بحرًا أو برًّا، عبر محطات متتالية، حتى وصل إلى أوروبا الغربية!
المفارقة التي يتأملها اللاجئ العربي الآن، الذي أوصلته الدروب إلى إيطاليا واليونان وإسبانيا وبلجيكا والنمسا وبريطانيا؛ هي أن أعداد الإصابات والوفيات في هذه البلدان أكبر منها في بلدان القيامات الصغرى التي جاء منها. فالقادم قسرًا من سوريا وفلسطين ولبنان واليمن وليبيا، سيصبح في حال استمرار التفشي -لا سمح الله- في القارة الأوروبية كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كمن هرب من الدلف فوقع تحت المزراب.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)