ardanlendeelitkufaruessvtr

الأجانب والفقراء متّهمون وإن ثبتت براءتهم

 

الأجانب والفقراء متّهمون وإن ثبتت براءتهم
علي قاسم
الخوف من الآخر ليس وليد اليوم، بل هو شعور رافق الإنسان منذ أن وجد، ولم يكن الآخر بالضرورة كائنا آدميا، بل هو أحيانا حيوان أو ظاهرة طبيعية.
خوف من الآخر
أمام باب المصعد، في الطابق الثامن، يتراجع جاري وزوجته بلطف وأدب لألج المصعد قبلهما. بالطبع قدرت سلوكهما اللبق، لأفاجأ أنهما فضلا الانتظار على مشاركتي المصعد.
أعيش بنفس المكان منذ 12 عاما على الأقل، وطيلة تلك الفترة كانا يسكنان بمحاذاتي، يصافحانني ويتبادلان الحديث معي، وبالطبع أشاركهما المصعد دون تردد.
فجأة تغير كل شيء، هل المسؤول عن ذلك، كما يقال، هو انتشار فايروس كورونا، أم هي ثقافة الخوف من الآخر، وأنا لسوء حظي واحدا من هؤلاء الموصوفين بـ”الآخر”.
الخوف من الآخر ليس وليد اليوم، بل هو شعور رافق الإنسان منذ أن وجد، ولم يكن الآخر بالضرورة كائنا آدميا، بل هو أحيانا حيوان أو ظاهرة طبيعية.
يوجه اللوم إلى الحروب باعتبارها مصدرا للخوف من الآخر، بينما تقدّم تفسيرات أخرى ترى أن الخوف من الآخر هو مسبب الحروب والنزاعات.
وإن كانت خشية الآخر قد نشأت في البداية بوصفها ردّ فعل غريزي للحفاظ على البقاء، إلا أنها تطورت مع الزمن لتصبح نتاجا ثقافيا يرتبط بالخيال الشعبي والموروث الثقافي والديني.
في القرون الوسطى، كان اليهود مصدر الأوبئة في المخيلة الأوروبية العامة، وخلال جائحة الطاعون الذي عرف بـ”الموت الأسود”، في منتصف القرن الرابع عشر، تعرضت جاليات يهودية للإبادة في عواصم أوروبية، بعد أن ألقي اللوم عليهم باعتبارهم سببا لانتشار الطاعون.
وكان اليهود قد سبقوا الأوروبيين إلى إبداء الخوف من الآخر، ولم يقتصر حكمهم بالنجاسة على الآخرين، بل شمل أيضا جدران بيوتهم، وقطع الأثاث، حتى التراب حكموا عليه بالنجاسة، ورأوا أن اليهودي إذا اشترى أو استعار أدوات مطبخ من الغرباء، عليه أن يطهرها بعناية قبل أن يستخدمها.
الآخر المختلف، في المخيال الشعبي، ليس فقط الأجنبي، بل الفقراء أيضا، كانت الطبقات الأرستقراطية وأثرياء أوروبا يهربون إلى الريف، يعزلون أنفسهم تجنبا للاحتكاك بالفقراء داخل المدن الكبيرة المكتظة بالسكان.
لم تبدل التأثيرات الثقافية سلوك الطبقة الأرستقراطية، وإن باتت تتصف باللباقة والتهذيب، ما زال أفراد تلك الطبقة متمسكين بكل عاداتهم، خاصة نظرتهم لـ”الآخر”، ومع تفشي وباء كورونا، انسحبوا من المدن إلى قصورهم الريفية.
تحول الخوف من فايروس كورونا إلى رهاب، ما أن يذكر حتى تتبادر إلى الذهن صورة للآسيويين. ليس فقط لأن منشأ الفايروس هو مدينة ووهان، وهي مدينة صينية، وليس أيضا لأن قائمة الطعام في الصين تحتوي على أصناف تعتبر غريبة عن الذائقة الأوروبية.
“أنا لست فايروسا، كفّوا عن العنصرية”، تغريدة لشاب فرنسي من أصول آسيوية، لم يسبق له أن قام بزيارة إلى الصين، تحولت حياته في فرنسا إلى جحيم، بسبب التمييز الذي يطاله في كل مكان يذهب إليه، بعد انتشار كورونا، لذا لجأ مع مجموعة من الشباب الآسيوي، للتعبير عن استيائهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، عبر وسم (JeNeSuisPasUnVirus أنا لست فايروسا).
وكانت صحيفة فرنسية محلية، قد أثارت حفيظة متابعيها، إثر نشرها صورة لامرأة صينية ترتدي كمامة كتبت على غلافها الخارجي عبارة “إنذار أصفر”. واضطرت الصحيفة تحت وطأة الانتقادات، للاعتذار، قائلة إنها لم تكن تقصد الإساءة.
رهاب جماعيرهاب جماعي
رغم ذلك، أعاد العنوان للأذهان عبارات عنصرية قديمة صوّرت عادات الآسيويين وطعامهم بأنها غير آمنة وغير مرحّب بها.
واستخدم مصطلح “الإنذار الأصفر” أول مرة في القرن التاسع عشر مع انطلاق موجة الهجرة الصينية الأولى إلى الولايات المتحدة. وانطوى المصطلح آنذاك على نزعة عدائية تجاه الآسيويين عموما.
ولم تقتصر تلك الحوادث على فرنسا، إذ تناقل مغردون في كندا ونيوزلندا تقارير تفيد بتعرض أطفال من أصول آسيوية للتنمر في المدارس.
ولكن، لماذا عند الحديث عن الأوبئة تحضر الصين إلى الأذهان؟ حتى فايروس الأنفلونزا الإسبانية، الذي اجتاح العالم عام 1928، هناك من يقول إن منشأه هو الصين.
ورغم كل الحديث الذي دار حول منشأ الفايروس، ليس هناك ما يثبت تطور المرض في الصين.
إنها الصورة المسبقة التي رسخت في الأذهان، وغالبا بتأثير من صناع السينما في هوليوود، الذين أدمنوا تقديم المدن الصينية على أنها مثال، ليس فقط للجريمة، بل للازدحام والقذارة، وكل العادات الغريبة أيضا.
مازالت نشأة فايروس كورونا غامضة، ومجالا لتبادل الاتهامات بين واشنطن وبكين، واليوم فاق عدد المصابين بالفايروس في الولايات المتحدة عدد المصابين في الصين، وقارب عدد المصابين في إيطاليا العدد الذي وصلته المدن الصينية، مسجلة عددا أكبر من الضحايا.
أطباق الطعام في أوروبا، تحتوي على أصناف لا تقل غرابة عن الأصناف الصينية؛ في أوروبا يعتبر الحلزون وأرجل الضفادع طعاما مميزا تأكله النخبة.
نجح الكاتب الأميركي، شلدون واتس، في كشف العلاقة بين المرض وما يترتّب عليه من أبعاد أخلاقية ثقافية ودينية وطبقية وعرقية. وقدم في كتابه “الأوبئة والتاريخ” شرحا للآليات التي ساهم فيها الطب الغربي في نشر الأوبئة، وتدمير الثقافات المحلية من خلال وسائلها التقليدية في التعامل مع المرض، وإخضاع المجتمعات المستعمرة لإجراءات مؤسَّسة على نظريات خاطئة في أحيان كثيرة، وذات نتائج كارثية.
الحذر من الآخر، ليس بالضرورة باتجاه واحد، الصينيون أيضا بدأت تبدو عليهم أعراض الرهاب، حتى وإن كان ذلك ردة فعل فقط.
وتستعد بكين لإغلاق البلاد أمام الأجانب، لكبح وصول حالات قادمة من الخارج، بعد أن أعلنت أنها استطاعت وقف انتشار المرض. المنع سيطال الأجانب الذين يحملون تأشيرات سارية وتصاريح إقامة، ويدخل الحظر حيز التنفيذ بداية من اليوم.
بعد كتابة هذه السطور، وسماع التعليقات على الأخبار، التي قالت إن عدد الإصابات تجاوز النصف مليون، دفعني الفضول لتقليب صفحات كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمؤرخ، تقي الدين المقريزي، لتقع عيناي على هذه الكلمات “ودخل فصل الربيع فهبّ هواء، أعقبه وباء وفناء، وعدم القوت، حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع”. نظرت إلى شوارع المدينة التي خلت من الحركة، واتجهت إلى السرير قاصدا النوم.. ولكن كيف؟
كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)