ardanlendeelitkufaruessvtr

صمت الغيلان

بقلم إبراهيم الجبين نيسان/أبريل 03, 2020 161

 

صمت الغيلان
إبراهيم الجبين
الفايروس يضرب، لا كظاهرة وبائية طبية، بل كجائحة أخلاقية عالمية، نازعاً ورق التوت عن الكثير مما صمت عليه مدراء الشركة العملاقة المسماة الحضارة الحديثة.
تجليات الصمت على النفس البشرية
ما يزال أثر الفيلم السينمائي الشهير “صمت الحملان”، الذي لعب بطولته في التسعينات السير أنتوني هوبكنز ومعه الممثلة ذات البصمة الخاصة جودي فوستر، ماثلاً أمام أنظارنا حين نستعرض تجليات الصمت على النفس البشرية، وكيف تسكت تلك الحملان الصغيرة وهي تقاد إلى مصيرها، إما مستسلمة له أو جاهلة به. غير أن زمن كورونا الحالي فضح صمتاً من نوع آخر كان يجري دون أن يراقبه أحد. أو ربما رصدته قلة من البشر تبددت أصواتها في عالم تدور تروسه ومسنّناته الهائلة لتطحن كل شيء.
ومثلما صمتَ الحمل، صمتَ الغول أيضاً. غيلانٌ كبارٌ في العالم غضوا النظر عن استغلال البشر، من أجل مصالحهم، بعد أن عمّمت العولمة في ما عمّمته انتهازية الدول وانتهازية الإنسان. الغيلان ذاتهم هم من ارتضوا أن يتباهى الرئيس الصيني ذات يوم بأن عبارة “صنع في الصين” موجودة في كل بيت على سطح الكوكب، في الأجهزة الإلكترونية أو قطع الملابس أو حتى الأدوات الطبية وصولاً إلى العلم الأميركي وتماثيل أبراهام لينكولن التي اقتنيتها بنفسي من المتاحف الأميركية في واشنطن ممهورة بعبارة “صنع في الصين”.
على ماذا صمت الغيلان؟ رحبوا ببضائع رخيصة تتدفق على أسواقهم، ليست لانخفاض جودتها، بل بسبب انخفاض أجور الأيدي العاملة التي صنعتها، أي بسبب استغلال الإنسان في أصقاع بعيدة من الأرض، لا تخضع للقوانين ذاتها التي تتبعها الأسواق التي ستباع فيها تلك البضائع.
ولا نحتاج إلى نظرية مؤامرة، لنتذكر كيف اجتاحت بضائع الصين العالم، ونقلت معها عولمة الصين المضادة، مقابل العولمة الأميركية، رغم الاحتجاجات على تشغيل العمالة بشروط سيئة، واستغلال عمالة الأطفال والنساء في كبرى مصانع السيارات والألبسة والشوكولاتة التي شيدتها الشركات الأمهات في بلدان الاستغلال. وحين ظهر الفايروس عبر ذلك الجسر المتصل ما بين العولمتين بيسر وسهولة ودون أيّ حواجز أخذ يتدفق هو الآخر بمكوناته المجهرية، إلى درجة أن أكثر الكمامات الطبية مبيعاً في العالم اليوم مصنوعة في ووهان مهد الفايروس ذاته.
يضرب الفايروس، لا كظاهرة وبائية طبية، بل كجائحة أخلاقية عالمية، نازعاً ورق التوت عن الكثير مما صمت عليه مدراء الشركة العملاقة المسماة الحضارة الحديثة، ليعيد صياغة الوجود البشري على كوكب تعيش الطبيعة فيه اليوم استراحة من جرائم البشر، وتنتعش الكائنات الأخرى وتقترب الطيور والأسماك من الشواطئ وتتحول المياه إلى أخرى عذبة صافية بعد أن انعدمت السياحة.
يعتقد البشر أن علاج كورونا سيكون باكتشاف لقاح أو مصل يحمي الإنسانية منه، وما سنراه لن يكون أقل من انتقام ينفّذه الإنسان من الإنسان.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)