ardanlendeelitkufaruessvtr

حزب الله وحربه الوجودية

بقلم علي الأمين نيسان/أبريل 07, 2020 127

 

حزب الله وحربه الوجودية
علي الأمين
التحدي الأكبر أمام حزب الله هو القدرة على "الصمود والتصدي" في حربه الوجودية التي لن تنتهي على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، في ظل التغييرات الجذرية التي فرضت نفسها على راعيته وعلى كل العالم.
بين فكي كماشة
لا يعيش "حزب الله" أفضل أيامه، حيث يخوض حروبا سياسية وأمنية في الداخل وعسكرية و"تأديبية" في الخارج، يربح جولات ويخسر معارك، ولا يفوز بأي حرب منها. بيد أن “حروب الاستنزاف” التي يخوضها، مجتمعة ومتزامنة، أودت به إلى حرب "وجودية"، يتخبط فيها من أجل البقاء.
شكلت عملية الانتقال من السيطرة الأمنية والعسكرية على السلطة، إلى السيطرة على نظام الدولة ومؤسساتها، التحدي الأبرز الذي يحاول “حزب الله” مواجهته مع وصول الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة في العام 2016، وكانت هذه المهمة التي يمكن وصفها بالسعي إلى التحكم بـ"الدولة العميقة" في لبنان، ليست من المهمات أو الوظائف التي اعتادها “حزب الله” منذ تأسيسه، أي الحرفة الأمنية والوظائف العسكرية التي طالما كانت سبيله إلى تحقيق السيطرة والنفوذ على المؤسسات والمجتمع، لكن من دون أن يعير الدولة اهتماما، إلا بما يقتضيه الاهتمام بترسيخ دويلته التي قامت على نقيض الدولة، وتأسست على نموذج "المجتمع النقيض" انطلاقا من نظرة أيديولوجية تعتبر أن "حزب الله" ودويلته هما تأسيس واستكمال لدولة الإمام المهدي التي قامت في إيران، وأزهرت في لبنان وسواه من دول "حظيت" بنِعَمِ النفوذ الإيراني.
الانتقال إلى مرحلة استكمال السيطرة على مفاصل الدولة، هو ما يجعل "حزب الله" اليوم أمام أزمة حقيقية تتصل بمآلات وجوده، فهو إزاء عجز عن الاستمرار في الاعتماد على القوة الأمنية والعسكرية وحدها من جهة، وعاجز عن الاندراج في نظام الدولة التي تفرض عليه بطبيعتها التخلي عن دويلته أو في الحدّ الأدنى التسليم بمرجعيتها في تنظيم شؤون المجتمع والحياة السياسية والاقتصادية وفي العلاقات بين الدول من جهة أخرى.
ساهم انكفاء المشروع الإيراني أو اهتزازه وتصدعه، في فرض هذا التحدي على “حزب الله”، بل أدى تصدع الدولة اللبنانية سياسيا واقتصاديا ومالياً، إلى إرباك الحزب الذي وجد نفسه بعد تطويع القوى السياسية أو معظمها، أمام معضلة جديدة تتمثل في كيفية التعامل مع الانهيارات التي تحيط به في الاقتصاد وفي النقد، وعلى مستوى خطر الانهيار الاجتماعي. كل ذلك لم يدفعه إلى إعادة النظر في أصل المشكلة المتمثلة في دوره المحلي والإقليمي، الذي دفع لبنان ثمنه عربيا ودوليا، بل استمر في عملية قضم المؤسسات الرسمية، وإنهاء الحياة السياسية لصالح ترسيخ سلطته المطلقة، ولكن بطموح عقد تسوية مع الأميركيين تعطي شرعية لدوره، في مقابل إقرار حزب الله بدور واشنطن في لبنان، وهذا ما قاله الأمين العام للحزب، حسن نصرالله، علنا في خطابه إثر الإفراج عن العميل عامر الفاخوري قبل ثلاثة أسابيع، إذ أكد أن “لواشنطن نفوذ قديم في المؤسسات اللبنانية، وهذا النفوذ كان قائماً في زمن الوجود السوري، ولا يزال..”، وهو في هذا الخطاب لم يدعُ إلى مواجهة هذا النفوذ، بل ألمح إلى إمكانية أن تستعاد تجربة التعاون التي كانت قائمة مع سوريا، لكن هذه المرة مع إيران في لبنان.
في ظل أزمة انتشار فايروس كورونا التي تشغل العالم ومنه لبنان، بدا حزب الله في وضع أكثر حرجا، ذلك أنّ فايروس كورونا جاء ليضيف أعباء جديدة يصعب مقاربتها عسكريا وأمنياً، بل تتطلب منه مقاربة مختلفة، تعتمد على قدرة دويلته على مواجهة هذه الجائحة، لكنه رغم ذلك بدا شديد التكتم حيال تداعيات هذه الجائحة، التي كان من أول المتهمين باستقدامها من إيران عبر سرب الطائرات الإيرانية التي قدمت إلى لبنان حاملة الآلاف من اللبنانيين، من بينهم أعداد لا يستهان بها من محازبيه ومن بعض الإيرانيين، وجرى ذلك في ظل تكتم مريب، فيما عمد إلى نقل المصابين بفايروس كورونا إلى أماكن سرية.
وفي حين أعلنت الحكومة السورية عزل منطقة السيدة زينب ومنطقة جرمانا قرب دمشق، بسبب تفشي الكورونا، نقل "حزب الله" أعدادا من المصابين إلى لبنان، من جنسيات لبنانية وإيرانية وعراقية، حيث تم وضعهم في مستشفيات ميدانية بعيدا عن أي إشراف رسمي، لاسيما من قبل وزارة الصحة التي يتولاها الوزير حمد حسن الذي سماه حزب الله لهذه المسؤولية.
يأتي كل ذلك وسط عقوبات مالية ضاغطة على الحزب وعلى راعيته إيران، من قبل واشنطن. وفي ظل أزمة معيشية تفاقمت في لبنان وخاصة لدى البيئة الحاضنة للحزب، حيث ساهم ذلك في المزيد من إثارة المخاوف لدى هذه البيئة، التي اعتادت منه أن يوفر لها أو لجزء منها موارد دعم مالي واقتصادي، تبدو غير متوفرة إن لم تكن مستحيلة في المدى القريب.
بهذا المعنى فإن "حزب الله" الذي كان يستثمر في الأموال الإيرانية وحتى العربية لمواجهة الأزمات في بيئته الحاضنة كما جرى في أعقاب حرب تموز عام 2006، ها هو اليوم يواجه الاهتزازات حتى داخل بنيته الحزبية، التي باتت عرضة لأزمات شتى اجتماعية واقتصادية، من أسبابها تراجع القدرة المالية لدى الحزب ولبنان على وجه العموم.
بين الانكفاء المالي والإرباك السياسي الناتج عن التعامل مع أزمة لبنان المعيشية والاقتصادية والنقدية، يحاول “حزب الله” الموازنة بين منع الانهيار الكامل للدولة بالمحافظة على خيط العلاقة مع واشنطن من جهة، وبين المحافظة على بنيته الأمنية والعسكرية وتجديد دورها من جهة ثانية. فقد صدر موقف لافت عن النائب في البرلمان اللبناني عن الحزب، حسن فضل الله، قبل أيام، انتقد فيه ما سماه التدخل الأميركي لفرض تعيين اسم محدد نائبا لحاكم مصرف لبنان، وبمعزل عن صحة الاتهام أو عدم صحته، فإن هذا الاتهام الذي يصدر للمرة الأولى من قبل الحزب، ينطوي على تصعيد لفظي ضد الدور الأميركي في لبنان، لكن من دون أن يستدعي صداما، باعتبار أنه كان مسبوقا بالاستجابة لضغوط أميركية على لبنان أدت لإطلاق عامر الفاخوري، وبرسالة من نصرالله إلى الأميركيين بالاستعداد لإيجاد تفاهم في إدارة النفوذ بين طهران وواشنطن في لبنان.
علما أن الذراع الإيرانية في لبنان المتمثلة بالحزب أنجزت خطوات على صعيد السيطرة على مؤسسات الدولة في عملية قضم مستمرة منذ سنوات، أدت إلى تعيين الموالين للنفوذ الإيراني في أكثر المواقع القيادية في الحكومة وفي الإدارة العامة وفي المواقع الأمنية وفي معظم المواقع العسكرية، والحديث عن التدخل الأميركي في بعض التعيينات من قبل "حزب الله"، يستبطن أيضا تغطية على استحواذ حزب الله مباشرة على مفاصل الدولة، وكان آخرها إنهاء نفوذ الحريرية السياسية إلى حد كبير داخل الإدارة، التي شكلت استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، فصلا نوعيا في هذه العملية التي أدار "حزب الله" عملية تنفيذها بخبث ودهاء.
تبقى مشكلة إضفاء الشرعية الدولية والأميركية على وجه التحديد لهذا النفوذ المتمدد لإيران عبر "حزب الله"، وهو ما لا يبدو متاحا رغم الرسائل الإيجابية التي يوجهها الحزب مباشرة أو بالواسطة، تجاه واشنطن، لكن الموقف الأميركي حتى اليوم، يبدو حاسما لجهة رفضه لهذا النفوذ وعدم الاعتراف به، والإصرار على مواجهته بمزيد من التشديد في العقوبات والحصار على "حزب الله" وإيران.
ولكن التحدي الأكبر يبقى هو القدرة على "الصمود والتصدي" في حربه "الوجودية" التي لن تنتهي هذه المرة على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، في ظل التغييرات الجذرية التي فرضت نفسها على راعيته، كما على كل العالم الذي يتلمس تحولا دراميا على وجه الأرض وكل ما عليها.
كاتب لبناني

قيم الموضوع
(0 أصوات)