ardanlendeelitkufaruessvtr

تأمّلات في العزلة

بقلم عواد علي نيسان/أبريل 08, 2020 290

 

تأمّلات في العزلة
عواد علي
العزلة الاختيارية يعتبرها أغلب الفلاسفة والشعراء والأدباء والمبدعين بصفة عامة من شروط التفكير والإبداع الضرورية.
من شروط الإبداع العزلة
تدعونا العزلة التي نعيشها هذه الأيام، مرغمين بسبب تفشي وباء كورونا الخطير في العالم، إلى النظر فيها ومراجعة أنماطها المختلفة في حياة البشر، على غرار ما نفعل مع العديد من الظواهر التي تنتج عنها مآس كبرى كالحروب والفيضانات والمجاعات.
ثمة أنواع من العزلة، منها ما هو إرادي ومنها ما هو قسري أو لا إرادي، وتُعرف العزلة الإرادية بأنها تلك العزلة التي يؤثرها الفرد ليختلي بنفسه، وينصرف إلى التأمل، نشدانا لضالّته، أو بحثا عن حكمة عميقة، أو إدراكا لما خفي عن العقول والأنظار وأسرار الوجود، أو بهدف تأليف كتاب، أو إنجاز عمل إبداعي، أو ليظل بمنأى عن الواقع المحيط به، ويتحرر من الانصياع لإكراهاته، ويتجنب منغّصات الحياة والعراقيل التي يضعها الآخرون أمامه، أو بسبب شعوره باليأس والخذلان والاغتراب وعدم الانتماء، وبأنّه مسلوب الذات ومستهلك.
أما العزلة القسرية فهي تلك التي تُفرض على الفرد بالقوة مثل عزلة السجين عقابا على جرم ارتكبه، أو بسبب موقف سياسي أو رأي معارض للسلطة، ومثلها الإقامة الجبرية في المنزل، وهي عقوبة مقيدة للحرية تُفرض عادة على سياسيين وناشطين ضد سلطة قمعية أو سلطة احتلال، وتسمى أيضا الحبس المنزلي، والاحتجاز، وأخيرا العزلة الجماعية التي تفرضها الدول على مواطنيها، والمتمثلة بملازمة بيوتهم في حالات انتشار الأوبئة للحيلولة دون اختلاط الأصحاء بالمصابين.
العزلة ليست انقطاعا أو اغترابا، كما يظن البلهاء، ولكنها معجزة، بل هي المعجزة الوحيدة التي جعلتها الأقدار في متناول الجميع
وفي مجال الدين تحدث سفر الأمثال في العهد القديم من الكتاب المقدس عن نوعين من العزلة، الأولى هي “العزلة المقدسة”، التي يختلي فيها المرء إلى نفسه، معتزلا الشر والأشرار حتى لا يصيبه ضرر، ويعيد تقييم نفسه، وعمل الله فيه، والثانية هي “العزلة الشريرة” التي يعتزل فيها المرء الحق الإلهي، وينسحب من الجماعة المقدسة لمجد نفسه أو لإشباع شهواته.
وكتب الفلاسفة والأدباء، على مر التاريخ، عن إيجابيات العزلة الإرادية في آثارهم الفكرية والإبداعية، كما اختار بعضهم أن يعيشها بنفسه تحقيقا لغايات ما وجودية أو معرفية أو إبداعية. ولعل أول من يُذكر في هذا الصدد هو الفيلسوف اليوناني أبيقور، الذي رأى في الفلسفة وسيلة لتحقيق أسمى ما يصبو إليه الإنسان في الحياة وهو السعادة والطمأنينة والسلام، وذلك بوقاية بدنه من الألم، وتخليص نفسه من القلق بالقضاء نهائيا على كل مصادر الخوف والمعاناة، وارتبط باسمه مبدأ اللذة، ويُقال إنه انتبذ الفلاسفة الذين سبقوه، واعتزل جمهور العامّة الذين يعتقدون بأن الآلهة تراقب البشر، وأنه ينبغي خشية الموت.
ومن شدة تعطش أفلاطون للمعرفة والمثل العليا دعا في كتابه “الجمهورية” إلى التأمل والعزلة والتقشف. ورأى الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين، الذي عاش في القرن السادس عشر، أن الحاجة إلى العزلة تكمن في التخلص من القيود التي يفرضها الآخرون، وكانت كتاباته الأولى خلاصة لفترة من العزلة فرضها على نفسه ليعيش حياة يرف عليها الهدوء وتخصبها القراءة.
ومال أبو الفلسفة الحديثة ديكارت إلى الاعتزال عن الناس ردحا من الزمن لينصرف إلى تأملاته الفكرية، وكشف عن ذلك قائلا “حين كنت في ألمانيا، لم تكن لي أيّ محادثة مع أيّ كان حتّى لا تشغلني عن البحث والتقصّي، فكنت طوال اليوم أعتزل في غرفة مدفّأة، وأتفرّغ تماما للتّباحث مع أفكاري”.
وكانت العزلة شرطا من شروط الإبداع عند نيتشه، عادّا إياها ضرورية من وقت لآخر لترتيب أفكار يبعثرها الأغبياء من حول المبدع والمفكر. ومما قاله في هذا السياق “إن العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها، فالعزلة تشفي أدواءها وتشدد عزائمها”. وقد عاش نيتشه حالة من الاغتراب في المجتمع الألماني، فعبّر عن ذلك بقوله “أيتها العزلة أنت وطني”، وهو القول الذي صاغه همنغواي بتعبير مشابه مفاده أن “ابتعادنا عن البشر لا يعني كرها أو تغيرا، فالعزلة وطن للأرواح المتعبة”. بينما رأى عالم النفس السويسري كارل يونج أن الحاجة إلى العزلة تتمثل في ما أسماه بـ”العمل الداخلي”، أي استكشاف أعماق النفس الباطنة، ذاك “الكون الصغير” في دواخلنا.
وبالرغم من أن الفيلسوف مارتن هايدجر أقرّ بأن الأنا لا تفهم وجودها إلاّ من خلال عنايتها بالآخر، بغض النظر عن البعد الفيزيقي لهذا الآخر، فقد ذهب إلى أن العزلة ليست مسافة نضعها بيننا وبين الآخر، ولا هي مجرد مفهوم كمي يقاس بالأمتار والأذرع، بقدر ما هي جسر يوصلنا إليه.
وتحدث الفيلسوف والشاعر الأميركي رالف والدو إمرسون عن مفهوم العزلة برؤية مختلفة إلى حد ما، مبينا أن الطبيعة تداعب خيال الإنسان عندما يكون بمفرده بشكل لا يحدث عندما يكون برفقة آخرين، وطالب المعلمين بلفت أنظار تلاميذهم إلى أهمية العزلة كسلوك معتاد، لأن باستطاعتها أن تحول الأفكار المجردة إلى واقع ملموس.
العزلة القسرية فهي تلك التي تُفرض على الفرد بالقوة مثل عزلة السجين عقابا على جرم ارتكبه، أو بسبب موقف سياسي أو رأي معارض للسلطة، ومثلها الإقامة الجبرية في المنزل
وشكّلت فكرة العزلة مركز الفكر لدى المنظّرة الألمانية حنة أرندت، التي هربت من النازية إلى الولايات المتحدة، وقضت معظم وقتها لدراسة العلاقة بين الفرد والمدينة. وأكدت في كتابها “المسؤولية والاحتكام” أن العزلة يمكن أن تكون الحالة الطبيعية لكل أنواع العمل الذي تركز فيه إلى درجة أن حضور الآخرين لا يمكنه إلاّ أن يربكها، وأن العزلة تمكّنها من تأمّل أفعالها وتطور وعيها، والهروب من نشاز الجمهور، والإصات في النهاية إلى نفسها.
وفي تاريخنا العربي مال أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة، والخلوة عن الخلق، وتفضيلها على المخالطة، على ما يورد الغزالي، مثل سفيان الثوري، إبراهيم بن أدهم، داود الطائي، فضيل بن عياض، سليمان الخوّاص، يوسف بن أسباط، حذيفة المرعشي، وبشر الحافي‏.‏
وأشاد العديد من المفكرين والأدباء العرب المعاصرين بالاعتكاف أو العزلة الإرادية، كخيار نفسي ووجودي ومعرفي، مثل جبران خليل جبران الذي قال “إن النفس الكئيبة تجد راحة بالعزلة والانفراد، فتهجر الناس مثلما يبتعد الغزال الجريح عن سربه ويتوارى في كهفه حتى يبرأ أو يموت”، وإبراهيم الكوني الذي قال “العزلة ليست انقطاعا أو اغترابا، كما يظن البلهاء، ولكنها معجزة، بل هي المعجزة الوحيدة التي جعلتها الأقدار في متناول الجميع”. كما ورد في أحد كتبه “تقوقعت حول نفسي كالقنفذ لأني وجدت أن العزلة أحسن سلاح للدفاع عن النفس، أحسن سلاح لمواجهة العداء”، واعترف توفيق الحكيم بأن العزلة حاجة في نفسه مثلما الخبز والماء والهواء حاجة في جسده، ولا بد له من ساعات يعتزل فيها الناس ليهضم ساعات صرفها في مخالطتهم.
وعلى الصعيد الإبداعي تناول العديد من المبدعين في العالم، عبر أعمال أدبية وفنية، شخصيات متخيلة أو مأخوذة من الواقع، عاشت حالات من الاعتزال الإرادي والقسري عن مجتمعاتها في فضاءات شتى لأسباب ودوافع مختلفة، لكني سأؤجل الكتابة عن تلك الأعمال إلى مقال لاحق يسلط الضوء على نماذج مختارة منها.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)