ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: حِوارٌ في أدبِ الحَبْس

حسان الحديثي

صاحبي الذي غيّبته السجون حيناً من الدهر حيرني امره،  فهو كلما حدثني عن حبسه ذكر لي جدرانه الثلاثة ناسياً او متناسياً جداره الرابع، وكلما وصف زنزانته وصفها بثلاثة جدران فقط حتى استفزني مرةً حين قال واصفاً اياها: كنت انظر الى جدرانها الثلاثة....

فقاطعته واوقفته وانكرت عليه قوله وتعجبت منه وقلت له: وأين الجدار الرابع ؟

فأجابني بثقةٍ وصدقٍ باديين: لم انظر اليه ابداً ، كنت اتخيّله -على الدوام- فضاءً مفتوحاً وليس جداراً،  فأطلُّ منه على العالم لأعيش به حياة الحرية وحرية الحياة.

ثم اضاف: صدّق او لا تصدّق...

لقد كنت أرى من خلاله الحقول والأنهار والغيوم والشمس والقمر، كنت أطلُّ منه على الجمال كلَّه، كنت التقي عبره  بالناس كل الناس، الا اولئك الذين حَبسوا انفسَهم بين جدرٍ أربعة من الخيال، فالإنسان رهين  ما يرى وحبيسُ ما يحسّ ويشعر. 

ثم أردف قائلاً: هكذا تُعاش الحياة، إن لم يطر فيها الانسان يقيناً فالخيال كفيلٌ بأن يصنع له ريشاً وجناحا ليحلّق بهما في اي سماء يشاء ويهبط على اي ارض يحب.

ولو نظرتُ الى الحبس حقيقةً وواقعاً لتكسرتْ على صلب حجارتِه كل خيالاتي ولتفتتْ على صمِّ صخوره كل الصور التي رأيتُها فكتبتُها او رسمتُها، ولكني حين خرجتُ منه وجدتُ ان كثيراً من اهل هذا الكون ممن لا تنقصهم الحرية هم في الحقيقة سجناء انفسهم يتخيلون حولهم اربعة جدران فيعيشون بها الحبس وهم احرار وكأن لسان حال احدهم يقول:

انا لستُ اقدرُ أن اعيشَ شبابي ... فلقد ولـدتُ مـكفّنـاً بعـذابي

وطفـقتُ انظـر للطفولةِ والصبا ... نظرَ السجينِ لما وراء البابِ١

قلت: ومن يقدر على ما تقدر؟  ومن يستطيع ان يرى ما رأيت؟ ويصنع ما صنعت؟ لقد مات رجال في السجن وتفطّرت قلوب آخرين من طول كمدهم فيه وهول ما لاقوا من حسرة، واتلف سنيّ عمرهم شدةُ تلهُّفهم وحزْنهم على الحرية، وعلى ما فاتهم منها من لذائذ الحياة وطيبات العيش، فالحبس يا صاحبي قديم جديد، لم يخل منه عصر ولم يتركه سلطان ولقد كان على الدوام قرينَ السوط في التأديب، وشقيقَ السيف في المعاقبة،  واني لا افتأ اشعر بالحزن ولا ابرح جوَّ الكآبة كلما تذكرت صالح ابن عبد القدوس حين حبسَه المهدي بالزندقة ثم قتله وصلبه بها وهو اكثر من وصف جوَّ السجن حتى قرنه بالموت حين قال:

خرجْنا مِن الدُّنيا ونحنُ مِـنَ اهْلِها

فما نحنُ بالأحْياءِ فيها ولاَ المَوتى

وقد صدق فأهل السجن ليسوا من الأحياء كما انهم ليسوا من الموتى، بل لعل بعضهم يتمنى الموت مراراً في يومه وليلته لو يتاح له الموت، وحسب العيش كدراً أن يكون الموت بعض أماني من ينعم بالحياة.  ثم سكتُّ قليلا وقلت: الم تمرّ بابيات الأمير الاندلسي مروان بن عبد الرحمن الملقب بالطليق؟

لقد كانت حياته غرابةً في غرابة في غرابة حين عاش ست عشرة سنة، ثم سُجن ست عشرة سنة، ثم عاش بعد اطلاقه من السجن ستة عشر عاماً ، وهو القائل في وصف السجن:

في منزل كالليلِ أسودَ فاحمٍ...داجي النواحي مظلمِ الأشباجِ٢

يَسْودُّ والزهراءُ  تشرقُ حولَهُ ...كالحـبـرِ أُودعَ في دَوَاةِ العاجِ

أما مرّ عليك انه من شدة ظلمته يحسب الناسُ فيه الليل نهاراً، والنهار ليلاً؟ وقد تساوى عندهم الوقت في كدره والساعات في ظلمتها وسوادها؟

ألم تقرأ قول معروف الرصافي وهو يصف السجن في بغداد حين ذهب اليه زائراً فقال:

فلو كان للعُبَّاد فيه إقامةٌ ... لصلَّوا به ظهراً صلاة التهجُّدِ

فسكتَ غير قليل سكوت من لم يكترث بالقول ولم يهتمّ بالكلام، ثم نظر بعينيّ نظرةَ مَنْ لم يلتفت الى شدة الوصف ثم اعتدل في جلسته وقال رحم الله علي بن الجهم حين قال واصفاً سجنه : 

قالتْ حُبستَ فقلتُ ليسَ بضائر ... حبسي وأي مهندٍ لا يُغمدُ

واذا كان الرصافي قد قال ما قال،  فاسمع أبا الاحرار وشاعر اليمن محمد محمود الزبيري اذ يقول:

خرجنا من السجن شم الأنوف ... كما تخرج الأسد من غابها

نـمـرّ على شـفـرات الـسـيـوف ...  ونـأتي المـنـيـة مـن بـابـِها

ونـأبـى الـحـيـاة ، إذا دُنّـسـتْ ... بـعـسـف الطُـغاة وارهــابـها

ونـحـتـقـر الحـادثـاتِ الـكـبـار ... إذا اعـتـرضـتـنـا بأتـعـابـهـا

ونــعلــم أنّ الـقــــضـا واقــــع ... وأنّ الأمــــور بـأسـبـابـهــــا

لقد هالتني الابيات وصدمني جمالُها واسكتني وقعُها في خاطري،  وقلت في نفسي لله دره من شاعر قلب المعاني بما يشاء كما يشاء... 

ولكني لم اسكت، فقلت له -وفي نبرتي شيء من التقليل ولونٌ من الوان التهكم-: كأني بك جنحتَ عن أدب السجن الى ادب الثائرين، ومِلت بنا عن حديثِ الحبس الى حديث الحكمة والموعظة.

أهروباً منه وقد اعيتك الحجة وجَحَدك الدليل وفاتك البرهان؟

فاثارته كلماتي واستنفرته دلالاتي واشاراتي، فتبدّل حاله وتغير لونه وصار يتململ يميناً وشمالاً شأن مَن افترش ذاكي الجمر او زاحمته في مجلسه صُفر العقارب. 

ثم قال: من لم يتعلمْ في حبسه الحكمة والموعظة فلا كانتا ولا كان، ومن لم يترهَّب في وحدته ولم يتعَبَّدَ وَيتخَشَّعَ ساعة ظُلمِه فظلمُه لنفسه حينها أشد من ظُلْمِ مَنْ ظَلَمَه. 

واعلم يا صاحبي ان حياة الانسان كلَها؛ بيسرها وعسرها وصفائها وكدرها وقوتها وضعفها واقعةٌ بين طينين؛ طينٍ خُلق منه، وطينٍ صائر اليه، ومن لم يكن الطين له واعظاً فلن يركن لسواه موعظة ولن يستمع بعده لواعظ. 

والبكاء يا صاحبي عزيز والدموع غوال وحسب الرجل قصوراً وهوناً -اذا اقعده ضعْفُه واعياه منقلبُه- ان يبكي ، فاسوأ بكاء الرجل هو بكاؤه ساعة ضعفه وقلة حيلته واحسنه ساعة شدته واوان قدرته، لاجل ذلك قال ابو فراس الحمداني مخاطباً الحمامة في حبسه:

أيَضْحَكُ مـأسُـورٌٌ وَتَبكي طَلِـيقَةٌ

ويسكتُ محزونٌ ويندبُ ســالِي

لقد كنتُ أولى منكِ بالدمعِ مقلـةً

وَلَكِنّ دَمْعي في الحَوَادِثِ غَــالي

ثم قال لي بعد ان سكت قليلاً: من يدري يا صاحبي لعل في الحبس مَن يعيش حياةً هي اصلح للعِباد -في اليقين- من الحرية ، وهو اقرب للحق فيه من ان يكون طليقاً. 

لملمت اشتاتي وقمت من مجلسه وانا مضطرب الفكر مشدوه البال ، غير اني أعلم بانه لم يقل الا ما رأى وعلى يقين من انه كان صادقا في كل حرف.... 

ولكن الصدق وحده لا يكفي للاقناع.

١- د. حسين الحديثي

٢- اشباج: مفردها شَّبَج وهو البابُ العالي البناءِ

قيم الموضوع
(0 أصوات)
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”