ardanlendeelitkufaruessvtr

الطريق الى سان فرانسيسكو ١

حسان الحديثي

في عام 1769 وصل الاسباني "خونيبيرو سيرا" الى سان دييغو في اقصى جنوب كاليفورنيا قادماً من المكسيك مُبشراً كاثوليكياً لينطلق لاحقاً منها مع بضع مئات معه بالبعثات التبشيرية Missionary missions نحو الشمال لدعوة ما تبقى من الهنود الحمر على ارض كاليفورنيا الى المسيحية.

ألف من الكيلومترات هي المسافة بين حدود المكسيك مع كاليفورنيا جنوباً الى سان فرانسيسكو شمالاً كان سفراً صعباً عليهم بوسائط بدائية من العربات التي تجرها الخيول وكلما مات احد أفراد البعثة دفن في الارض التي مات فيها ثم سميت المدينة باسمه، لأجل ذلك تجد اسماء المدن على طول شاطئ المحيط الهادي صعوداً بأسماء تبدأ بـ: سان او سانت وتعني القديس اذا كان رجلاً، وسانتا اذا كانت سيدة وتعني القديسة.

يبدأ هذا الطريق الطويل من مدينة سان دييغو جنوبا الى مدينة سانتا بربارا مروراً بلوس انجلوس ثم مدينة سانتا ماريا، فمدينة سان لويس، ثم سان خوسيه، فـ سان ماثيو، انتهاء بمدينة سان فرانسيسكو الشهيرة. وهناك الكثير غيرها من المدن والقرى وكلها بأسماء رجال البعثة التبشيرية تلك.

يمتد هذا الطريق الطويل على يمين شاطي المحيط الهادئ صعوداً باتجاه الشمال لمسافة ألف كيلومترا بأجواء معتدلة دافئة مصحوبة برياح لطيفة واخرى محملة بالغيوم القادمة من أمواه المحيط العظيم.

كنت أحلم بأن أسير هذا الطريق فأقف على محطاته ومدنه واتلمس الأرض البكر التي استقطبت الملايين من سكان امريكا الجنوبية والأوربيين وأغرتهم بترك بلادهم والهجرة الى أرض الأحلام ارض كاليفورنيا إحدى أجمل بقاع الكرة الأرضيّة والتي ما تزال اللغة الاسبانية سائدة بين اهلها كلغة ام شأنها شأن الانجليزية بسبب هجرة الاسبان القادمين اليها من الجنوب

تحقق الحلم حين وجدت نفسي خلف مقود السيارة عازماً على تتبع الطريق منطلقاً من الجنوب على حدود المكسيك في سان دييغو صوب الشمال المتمثل بمدنية سان فرانسيسكو احدى اهم وأكبر عشرة مدن في الولايات المتحدة الأمريكية.

ببضع عبوات من الماء وخزان مليء بالبترول وخريطة لم احتجها كثيراً كنت جاهزا للانطلاق وما عليَّ الا ان أضع الهادئ على يساري والصحراء على يميني وأغذ السير وستكون سان فرانسيسكو أمامي في نهاية المطاف بالتأكيد.

كانت السماء صحواً كزجاجة والنسيم عذباً كأنفاس الربى وروحي مستنفرة كخيل كاليفورنيا البرية ولا صوت حولي سوى أنين محرك السيارة ذي الاسطوانات الستة وهدير امواج المحيط كلما اقترب الطريق من الشاطئ وبعض الايقاعات المكسيكية المطعمة بالإسبانية كلما توقفت عند محطة للتزود بالوقود او الطعام.

مئتان من الكيلومترات هي المسافة حتى محطة الوقوف الاولى ضواحي لوس انجلوس في مجمع هائل الجمال في مدينة ساحلية تدعى سانتا مونيكا، ويبدو ان كل مونيكا جميلة حتى ولو كانت مدينة.

هي مرفأ على شاطئ المحيط مليء باليخوت الفارهة ومجموعة من الفنادق والمنتجعات المطلة على مساحات خضراء يكثر فيها النخيل الاستوائي واشجار الموز العالية بالإضافة الى كل ما يستهوي السائح من محطات جذب وسهر ومتعة فقد أسست وبنيت هذه المدينة لتستقطب أغنياء ومترفي مدينة لوس انجلوس المليئة بنجوم الفن والسينما والرياضة ورجال الأعمال بالإضافة الى زوارها القادمين من فجاج الارض البعيدة.

قضيت فيها ليلة واحدة وتركتها على مضض ففي هذه المدينة من الجمال والترافة وحسن الطبيعة ما يغري الانسان ليس بالبقاء وحسب بل والنسيان ايضاً.

كان الوقت فجراً حين ادرت محرك سيارتي وانطلقت، وكان الطريق تحتي هادئا تارةً كمياه المحيط معتدلا كمسار سهم ويقلق حيناً ويتموج كأني راكب فوق الريح أو ممتطٍ حصان أبي الطيب المتنبي، والعالَمُ من حولي في حركة دؤوبة كالنحل كل منهم في شأن يشغله عن سواه وانا وسيارتي بين هذه البشر ليس أكثر من شيء يتحرك بين ملايين الاشياء المتحركة لا أعبأ بهم ولا هم بي عابئون.

كانت وجهتي مدينة سانتا باربارا الساحلية محطتي الثانية والتي تبعد مئتي كيلومتراً أخرى وأمامي خياران للوصول إليها؛ اما ان أسلك الطريق السريع لأتحاشى القرى الصغيرة والطرق الضيقة.

او ان أبطئ السير بطرق ملتوية ولكنها أكثر متعةً وإغراءَ، فكان الخيار الثاني أقرب لمتسكع في اقاصي الارض ليس له هدف سوى رؤية البحر والجبل والناس وتقصي دروب السالكين بعيداً عن المدنية والحضارة وضوضاء الحياة التي بتنا نفرُّ منها الى بدائية الحياة الأولى وبساطتها وعفويتها المفقودة فرار سباع الارض الى فلواتها البعيدة.

كان الطريق كدرب افعى والناس بين سمرة المكسيك ودمائهم الحارة المتدفقة على وجوههم المكتوية بالشمس والعراء وعيونهم الغائرة، وبين بياض الأوروبيين ونَمَش الأيرلنديين مع بعض الوجوه السمراء القادمة من بلاد الهند والسند والمسطحة القادمة من آسيا البعيدة، خليط من الناس ومعترك من الأجناس لا تكاد تميز بينهم سوى باللون والمسحة والسمت واللكنة يحتكمون لقانون واحد وعلم واحد ويعيشون على ارض تحكمها آلة اعلامية واحدة تغسل العقول وتنشرها على حبال النظام والانشغال فتعود جميعها ناصعةً جافّةً رقيقةً كورق التبغ تلفّها كيف تشاء على ما تشاء.

لا شيء يشغل الانسان ويسلبه من واقعه كالبحر، ما ان تنظر اليه وتبعث عينيك فيه حتى يسلبَك كيانَك ويتملَك روحك ويأخذك بعيداً في افاقه العريضة وفضاءاته التي لا تعيد صوت صائت ولا ترجع صيحة صائح فتلفك زرقتان؛ زرقة الماء وزرقة السماء لتكون بينهما كالكوكب الدري ساطعاً متلألئاً سليب الروح تود لو يطول فيهما الفقد ويمتد بينهما الضياع في عالم من الخيال فلا تعود منه ابداً.

ما هي الا خفقة او خفقتين بجناحيِّ الخيال حتى وجدتُني على مشارف مدينة "سانتا باربارا" ولم اشعر بنفسي الا وانا بوسط ضوضاء مراكب الصيد وهرج الصيادين بقمصانهم المفتوحة وصدورهم العارية وقبعاتهم الزرقاء وسواعدهم المفتولة واجسامهم التي نحتتها الامواج والريح والحبال والأشرعة كأنهم جنود القوات الخاصة وسرايا مقاتلي الصاعقة بوجوه مقبلة وقد بدأت مراكبهم ترسو على الأرصفة محملة باسماك المحيط و وجوههم ملؤها البشر والسعادة ولسان حالي يقول لهم انا القادم من بلاد بعيدة لم يسمع بها اباؤكم ولا اجدادُكم غزتها بلادكُم بآلة القتل والدمار فأفنت الزرع وأيبست الضرع وارجعتنا الى ما وراء التاريخ.

طويل هو الشارع الذي يفصل بين المرسى التي اصطفت عليه عشرات المراكب بمختلف الألوان والأشكال والأحجام وبين صف من المحلات والمتاجر والمقاهي المطلة عليه غير أن مطاعم المأكولات البحرية أخذت الحصة الأكبر منها وقد اختلطت رائحة السمك الحي النيء وزفرة الهواء القادمة من جانب المحيط والمراكب برائحة السمك المشوي والمطبوخ وعبق التوابل القادمة من المطاعم حتى يعتري الماشي بينهما شعوران؛ شعور بالنفور والإعراض وشعور بالشهية والرغبة الشديدة بالطعام.

لم أفكر كثيراً من الجوع فملت الى مطعم لصيق بمتحف صغير لأدوات الصيد فيه قطع جميلة للذكرى مع عشرات الصور التي تحكي تاريخ المدينة فكان ذلك المطعم محل غدائي والمتحف مكاناً يجيب على كثير من اسئلتي حول المدينة.

كل ما يقدمه ذلك المطعم من طازجِ السمك وكان على الزبون ان ينتظر قليلا ليحصل على طاولة لكثرة الزبائن والسائحين وقد ارتدى عماله ونادلوه زي البحارة والكل فيه بحركة دؤوبة كخلية ولكي لا تسأل عن مكان الحمامات والمغاسل وتؤخرَهم كتبوا على قمصانهم السوداء من الخلف عبارة: الحمامات والمغاسل في قبو المطعم

فان لم تلحظ ذلك وسألت أحدهم أدار لك ظهره بحركة ظريفة لتقرأ المكتوب فتستدل عليها وتضحك على خفة طبعهم.

تناولت طعامي وأخذت الشاي بيدي ودخلت متحفهم الصغير والجميل لأقرأ بصوره وتحفياته ومقتنياته تاريخ المدينة التي بنيت في بداياتها من سواعد الصيادين حتى توسعت وأصبحت بهذا الحجم وهذا الجمال.

تجهّزت باحتياجاتي بعد العصر وتزوّدت بالوقود وصوّبت وجهي نحو الشمال وبدأت الرحلة من جديد. .....

يتبع......

قيم الموضوع
(0 أصوات)
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”